الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 8

1 . الأعمال غير التقليدية:

يتضح فشل المقدمة المنطقية، كما يرى حسين حلمى المهندس، فى الأعمال غير التقليدية، وهو يتساءل “هل تصلح المقدمة المنطقية ـ بمفهومهم ـ فى الأعمال ذات النهاية المفتوحة أو الأفلام الشخصية أو الواقعية بمعناها الحقيقى أو الأعمال التى تكتفى بفضح المخازى وإلقاء الأضواء عليها أو الأعمال التحريضية؟ ربما يقولون مثلًا عن الأخيرة أن مقدمتها المنطقية هى ’’إن الظلم الاجتماعى يؤدى إلى غضب الجماهير‘‘.

ونحن نرد عليهم بأن مثل هذه الأعمال لا تستهدف بالقطع إثبات نظرية أو البرهنة على حتمية الغضب ولكنها تعمل على ’’إثارة‘‘ الجماهير فعلًا حتى ’’تتحرك‘‘ وتقضى على الظلم الاجتماعى. وفارق كبير بين الاتجاهين، فإثبات النظرية مغلق على نفسه ويمكن اعتباره مجرد عبرة أو تحذير لمن يقترف الظلم الاجتماعى. أما الاتجاه الحقيقى فهو ’’تحريك‘‘ الجماهير كما قدمنا.

(أرجو أيضًا ألا يقولوا بأن المقدمة المنطقية يمكن أن تتعدل إلى أن: ’’الظلم الاجتماعى يؤدى إلى تحريك الجماهير‘‘1؟

1 . 1 . الأعمال ذات النهاية المفتوحة:

لا يقدم حسين حلمى المهندس دليلًا ملموسًا على فشل المقدمة المنطقية فى الأعمال ذات النهاية المفتوحة، وأن هذه الأعمال “لا تستهدف بالقطع” إثبات نظرية. ولو قلنا إن الأعمال ذات النهاية المفتوحة Open-ending هى الأعمال التى لا تحسم صراعها بصورة واضحة كعادة الأعمال ذات النهاية المغلقة، وتترك للمتلقى أن يتخيل يسير الأحداث فى المستقبل، فإن هذا لا يمنع “بالقطع” أن يكون لدى العمل مقدمة منطقية؛ فلو ركز المتلقى مع العمل واسترجع كافة تفاصيله ودرسها ووصل فى النهاية إلى أن العالم الذى نعيشه لا يقدم حلولًا بسيطة لمشكلاتنا، فقد يصيغ المتلقى أو صانع العمل من قبله هذه الفكرة فى صورة مقدمة منطقية قائلًا: “فى عالم معقد ومشوش أخلاقيًا لا يستطيع الإنسان أن يجد حلولًا قاطعة لمشكلاته”. إن الأعمال ذات النهاية المفتوحة هى أعمال اكتملت فى هذا الشكل، فصانع العمل لم يحذف نهاية القصة وتعمد أن يقدم قصته ناقصة، بل لأن فكرته، والتى يريد توصيلها إلى المتلقى، قد وصلت بالكامل عند هذه النقطة من الفيلم، وليس هناك مبرر لإغلاق الحكاية.

إذن تستطيع الأعمال ذات النهاية المفتوحة أن تُبنى على مقدمات منطقية، خاصًة إذا أدركنا أن المقدمة المنطقية هى وسيلة، ضمن وسائل لا نهاية لها، لتقديم صورة كلية لفكرة العمل الدرامى.

2 . 1 . المقدمة المنطقية وأفلام الشخصية:

ينتقل حسين حلمى المهندس إلى الأفلام الشخصية وهو هنا يقصد غالبًا Character-centered Story، وبعيدًا عن أن كل كتب الحرفية ترفض حاليًا تقسيم السيناريو إلى سيناريوهات شخصية وسيناريوهات حبكة، فقد وضع لاوس اجرى الشخصية فى كتابه فن كتابة المسرحية فى المقام الأول، وألف كتابًا جديدًا من أجل الشخصية لدرجة أن الترجمة الإيطالية للكتاب هى فن الشخصية، ودعا كل الكتاب إلى تجاهل إعلاء أرسطو للحبكة على حساب الشخصية، فالشخصية بسماتها الجسدية والنفسية والاجتماعية والبيئة التى وُجدت فيها هى محور الاهتمام عند اجرى، ومرة أخرى لا يقدم حسين حلمى المهندس أمثلة واضحة نناقشه فيها أو دليلًا على فشل المقدمة المنطقية مع الأعمال الشخصية، لأن المقدمة المنطقية كما سوف نرى تعلق فى شكلها الأول على السلوك الإنسانى وتنتج عن تأمل الكاتب لشخصياتها وسلوكهم وتصرفاتهم وكيف أن نهايتهم موجودة فى شخصيتهم نفسها.

3 . 1 . المقدمة المنطقية والأعمال الواقعية:

ينتقل حسين حلمى المهندس إلى الأعمال الواقعية “بمعناها الحقيقى”، وهو لا يقول لنا ما هو المعنى “الحقيقى” للأعمال الواقعية، ولا يخبرنا عن الأسباب التى تؤدى لفشل المقدمة المنطقية مع الأعمال الواقعية، ولا يضرب لنا كالعادة أمثلة على هذا الرأى، ونتساءل: هل لأن الأعمال الواقعية تقدم الواقع بالكامل وبالتالى من الصعب الإحاطة به فى مقدمة منطقية؟ أم لأن صياغة السبب والنتيجة لا تصلح للأعمال الواقعية؟ إن الأعمال الواقعية لا تكتفى بالتأكيد على اتساع الواقع ولا تقول إن الواقع لا يمكن فهمه، فاختيار أحداث بعينها ووجهة نظر محددة سوف تجعل المتلقى كما نرى ينتقل إلى شكل آخر من أشكال المقدمة المنطقية، وقد يصل إلى الموضوع ويبدأ من خلاله دراسة كل شخصية لمعرفة مقدمتها المنطقية وكيف تتضافر المقدمات المنطقية معًا لتقدم رؤية صانع العمل للواقع.

ولا تفشل المقدمة المنطقية فقط مع الأعمال الواقعية، بل تفشل أيضًا مع الأعمال التى تكتفى بفضح المخازى وتلقى الأضواء عليها، وكأن هذه الأعمال تكتفى بتسليط الضوء على هذه المخازى من دون أن تكشف لنا أصلها أو تبين السبب وراء وجودها، وهو غير صحيح بالمرة، فهذه الأعمال، خاصة الطبيعية منها، تبين بقوة أسباب البداية والنهاية.

4 . 1 . المقدمة المنطقية والأعمال التحريضية:

أخيرًا يناقش حسين حلمى المهندس ما يسميه بالأعمال التحريضية ويسخر من أصحاب المقدمة المنطقية الذين يقولون إن الظلم الاجتماعى يؤدى إلى غضب الجماهير.

ربما فاتتنى السخرية، ولكن من حق صانع العمل أن يعرض الظلم فى فيلمه على أمل أن يثور المتلقى، وهو ما سوف يجعله يختار لقطات وإضاءة معينة وأسلوب معين فى التمثيل وطريقة جدلية فى المونتاج كى يحفز الجماهير على الغضب والثورة. نحن إذن نتحدث عن صياغة الفنان لخطابه السينمائى أو الهدف الكلى من عمله مع ملاحظة أن طريقة تفكيره هذه تشبه فى حقيقة الأمر المقدمة المنطقية.

واختيار الفنان أسلوب معين لإحداث ثورة فى الجماهير لا يتنافى، كما يلمح حسين حلمى المهندس، مع استخدام مقدمة منطقية للقصة، فالمتلقى يتأثر بالعمل بسبب بلاغته بالدرجة الأولى وبسبب قدرته على الإقناع، ولكن حسين حلمى المهندس يريد أن يقول إن المقدمة المنطقية تقتل النزعة الثورية للعمل لأن الفنان بمجرد أن يصيغ فكرة قصته فى مقدمة منطقية سوف تموت هذه النزعة لأنها تتعارض مع برودة المقدمة المنطقية، وذلك لأنها منطقية!، بالتالى الخطوة الأولى للفنان عندما يقرر أن يصنع عملًا ثوريًا هو أن يصيغ مقدمة منطقية!

وكالعادة لا يقدم حسين حلمى المهندس دليلًا على هذا، لأن فكرة أى قصة أو مسار أى شخصية يمكن صياغتها فى صورة مقدمة منطقية من دون أن تؤثر على بلاغة العمل. وقد يضع المؤلف مقدمة منطقية عمله تقول إن سياسات الاستعمار تؤدى إلى فناء الوطن وثقافته وثرواته الطبيعية وتقضى على فرص مواطنيه فى الحرية والتقدم، ولكنه يقدم عملًا باردًا، مباشرًا، سطحيًا ينفر الناس منه. إذن المقدمة المنطقية لا تمنع الفنان من تقديم عملًا ثوريًا، بل ضعف إمكانياته وموهبته.

وبعيدًا عن عدم وجود دليل حقيقى على برودة المقدمة المنطقية، لا يقدم حسين حلمى المهندس دليلًا على فشل الأعمال التحريضية (أو يذكر أمثلة) فى تحريض الناس على الثورة لأنها امتلكت مقدمة منطقية.

2 . المقدمة المنطقية والعبرة:

لكى يبرهن حسين حلمى المهندس على صحة رأيه فقد قرر أن يحول المقدمة المنطقية إلى عبرة أو عظة Morale أو تحذير Warning ووصفها بأنها إثبات منطقى منغلق.

وقد انتبه جيمس فراى James Frey إلى الفارق بين العظة والمقدمة المنطقية فى كتابه كيف تكتب رواية رائعة How to Write a Damn Good Novel vol 2 فالعظة هى درس تلقنه لنا القصة، وهى فى هذه الحالة لا تختلف عن تعليمات الصحة العامة أو الكتب الدينية مثل: انصت إلى والديك. لا تكذب. وهكذا. ويلفت فراى النظر إلى أن المتلقى غالبًا هو الذى يحول العمل الدرامى إلى عظة، لا صانع العمل، فقد يخرج المتلقى من فيلم من الأفلام بأنه يوصى أن لا يغضب الإنسان، والفنان الذى يكتب عملًا مبنى على عظة أو عبرة هو الذى سوف يحول عمله إلى شكل بسيط ومسطح لأن العظة دائمًا تتناسب مع الأعمال التعليمية البسيطة، وحتى أدب الأطفال فى هذه الأيام قد تجاوز هذا بكثير. ويشرح فراى أن لاوس اجرى لم يحول المقدمة المنطقية إلى عظة على الإطلاق، لأن الهدف الأساسى من المقدمة المنطقية هو البحث والتفكير ودراسة السلوك الإنسانى، وهى تفحص هذا السلوك وتدرسه السلوك، وتحاول أن تعرف أصوله وجذوره، وبالتالى هى تدفع المؤلف لأن يتساءل وأن يعرض ما يتعرض له هذا السلوك من تغيير أثناء الصراع، وتحاول أن تتنبأ بنهاية هذا السلوك. إن المتلقى من حقه أن يحول العمل إلى عظة، ولكن المؤلف سوف يقتل عمله لو فعل هذا، وهذا ما يؤكده فراى بقوله: “إن معظم القصص البوليسية قد يكون لديها عظة وهى الجريمة لا تفيد، فليس غرض المؤلف من كتابة رواية بوليسية هو أن يلقى عظة حول شرور فعل القتل، ولا غرض الناس من قراءة الروايات البوليسية هو التهذيب الأخلاقى.”2

3 . المقدمة المنطقية والسير الذاتية والقصص التاريخية:

وفقًا لحسين حلمى المهندس، لا تنجح المقدمة المنطقية مع أعمال السير أو الأعمال التاريخية، وهو ما يتضح فى سؤاله التالى: “وماذا عن الأعمال التى تقدم سير الخالدين من رجال الدين أو الحرب أو السياسة أو الفنانين أو الأدباء أو غيرهم، أو التى تقدم الأحداث التاريخية الهامة؟..

هل نفرض عليها نظريات من عندنا ونتعسف ونلوى عنق الأشياء كى نبرهن عليها؟

لا نريد أن نتعسف نحن أيضًا، ونقول بأنه من الجائز أن نجرى بعض التعديلات فى السير أو الأحداث التاريخية حتى نبرهن على مقدمة منطقية ما.”3

حتى لو استعننا بمفهوم الاستراتيجية الذى يستخدمه حسين حلمى المهندس، وسوف نعود إليه فيما بعد، فإن انصياع سير الخالدين والأحداث التاريخية لاستراتيجية الفنان لا يمنع من وجود مقدمة منطقية للعمل، فقد يكون هدف الفنان من تناول حدث معين هو أن يلقى الضوء على سبب فشله أو نجاح فنان بعينه.

ويطرح حسين حلمى المهندس سؤاله الاستنكارى “هل نفرض عليها نظريات من عندنا ونتعسف ونلوى عنق الأشياء كى نبرهن عليها؟” كى نسارع بالرفض رغم أنه، أى حسين حلمى المهندس، يعرف أنه من المستحيل أن تقدم الأعمال الفنية حدثًا تاريخيًا أو قصة حياة شخصية مشهورة بصورة كاملة ومن كافة الزوايا ووجهات النظر؛ فالحيز الزمنى للعمل الفنى سوف يفرض على صانع العمل أن يحذف أحداثًا ومواقف وشخصيات من أجل أن يقدم عملًا متماسكًا، وهو ما يفعله المؤرخ الذى يحذف ويراجع ويمحص وفقًا لمنظور معين. وقد شعر حسين حلمى المهندس نفسه بهذا، وهذا ما جعله يقول إنه من الجائز أن نجرى بعض التعديلات على القصص التاريخية وسير الخالدين من أجل إثبات مقدمة منطقية (رغم أننى كنت أتصور أن مبدأ المقدمة المنطقية لا يصلح فى كل الأحوال).


1. حسين حلمى المهندس، دراما الشاشة، مرجع سبق ذكره، ص: 62 ـ 63.
2. Frey, James, How to write a Damn Novel, II, Advanced Techniques for Dramatic Storytelling, (St. Martin’s Press, New York, 1994), p. 53
3. حسين حلمى المهندس، دراما الشاشة، مرجع سبق ذكره، ص: 62 ـ 63.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 7

1 . حسين حلمى المهندس:

اُنُتقدت فكرة “المقدمة المنطقية” التى نُشرت فى كتاب فن كتابة المسرحية للاوس اجرى كثيرًا، سواء عالميًا أو محليًا كما سبق وذكرنا، رغم أنها كانت سر شهرة الكتاب فى المقام الأول. ورحب الكثير من النقاد وأساتذة الحرفية بالفصول التى خصصها لاوس اجرى للشخصية والصراع. وقد توالت انتقادات فرعية مثل سبب اعتماده على فكرة الوجوب والإلزام على أساس أنه لا وجوب ولا الزام فى الفن، ولكن هذه الحجة توجه عمومًا لكل كتب الحرفية.

وقد جمع المخرج وكاتب السيناريو الراحل حسين حلمى المهندس فى الجزء الأول من كتابه دراما الشاشة للسينما والتليفزيون (بين النظرية والتطبيق) أغلب الانتقادات التى وُجهت إلى مفهوم المقدمة المنطقية، وخصص أربع صفحات كاملة لهذا النقد؛ لأن هذا المبدأ، والذى يُستخدم “بكل أسف” على نطاق واسع، يحول العمل الفنى، من وجهة نظره، إلى معادلة رياضية أو كيميائية هدفها البرهنة على أمر ما أو إثبات شيئًا ما.1

2 . تحديد القصة والدراما:

يصف حسين حلمى المهندس أصحاب هذه الفكرة بأنهم “حددوا مفهوم القصة (أو الدراما) على أنها من الضرورى أن تبرهن على صحة المقدمة المنطقية المختارة، وأن يكون الكاتب مؤمنًا بها، وهى التى توجه عمله وتتحكم فيه .. إلى آخر ما يقولون. ونحن مع تسليمنا بأنه من الجائز فى بعض الأحوال أن يستقيم العمل بمبدأ المقدمة المنطقية (مع التحفظ) إلا أنه لا يصلح فى كل الأحوال، بل وحتى فى الأحوال التى يصلح لها فهو يشكل مبدًأ تعسفيًا يأباه الفن.”2

هنا نوجه أول اعتراض للنقد للأستاذ حسين حلمى المهندس، والذى انتقد مبدأ المقدمة المنطقية من خلال الحديث باسم الفن، والزعم أن مبدأ المقدمة المنطقية هو مبدأ تعسفى يأباه الفن، وبدلًا من أن يتحدث عن مفهومه هو للفن ويدافع عنه، وهذا من حقه تمامًا، ولكن ماذا نفعل مع من يؤمنون، مثل وددى آلن Woody Allen، وغيره ممن يحبذون مصطلح المقدمة المنطقية ويرونه مبدأ مهم فى الانطلاق فى العمل الفنى؟ لقد اخرج حسين حلمى المهندس، وبجرة قلم، كل الأعمال الفنية التى استخدمت هذا المبدأ من مجال العمل الفنى. وبعيدًا عن أن هذا هو قمة التعسف نفسه، فإننا نلحظ شيئًا هامًا وهو أن حسين حلمى المهندس قد ساوى المقدمة المنطقية بالعمل الفنى كله، بينما المقدمة المنطقية هى مجرد وسيلة قد يستخدمها المؤلف، فى بداية عمله أو فى منتصف الكتابة أو حتى أثناء إعادة الكتابة لمعرفة الفكرة الكلية للعمل، ولكنها ليست هى العمل نفسه.

ورغم أن الكاتب يستطيع أن يحدد مسار بطرق مختلفة وقد يستخدم مفهوم الاستراتيجية الذى يدعو إليه حسين حلمى المهندس فى كتابه المذكور أعلاه، ولكن هذه الطرق سوف تتماس فى كل الأحوال مع مبدأ المقدمة المنطقية، فإذا اتخذ المؤلف هدف الشخصية الرئيسية مسارًا لعمله، فإننا جميعًا نعرف أن الهدف ينطلق من دافع إنسانى معين، ويصطدم مع أهداف الشخصيات الأخرى، مما يؤدى إلى تغير الشخصية الرئيسية خلال خوض هذه الصراعات. ويمكن التعبير عن هذا التغير فى صورة مقدمة منطقية. وإذا اتخذ المؤلف من النوع الفيلمى Genre وسيلة لتحديد مسار عمله، فإن السمات والتقاليد النوعية والتغييرات التى سوف يجريها المؤلف عليها يمكن صياغتها فى صورة مقدمة منطقية. لأن المقدمة المنطقية هى وسيلة لصياغة النص الضمنى الفكرى intellectual subtext للعمل نفسه.

ويعود حسين حلمى المهندس إلى نفس النقطة ويتولى الحديث باسم الفن ’’الأصيل‘‘، ويؤكد أن فى الاعتماد على مبدأ المقدمة المنطقية ـ حتى لو نجح الفنان فى إثبات مقدمته المنطقية (!) ـ “ما يند عن الفن الأصيل ويحد من تلقائية الفنان وإبداعه، وما يقيد الفن السينمائى ويحد من آفاقه الرحبة فى تعامله مع الزمان والمكان والحدث ومختلف الاتجاهات الفنية بل ويحيله إلى مجرد معادلة رياضية أو كيميائية.”3

إن المقدمة المنطقية لا تحول العمل الفنى كله إلى معادلة رياضية أو كيميائية لأنها مجرد صياغة توجد كما قلنا فى أى مرحلة من مراحل العمل الفنى، ويستخدمها الكاتب كبوصلة ترشده إلى المسار الذى يؤمن به، وهى لا تُفرض عليه من الخارج، وإذا شعر الكاتب أن هذه الصيغة تحد من رحابة فنه، فعليه أن يتخلص منها فورًا، كما أنه من المستحيل أن نجزم أن عنصرًا واحدًا قادر على الحد من رحابة الفن، وبعيدًا عن تقديم أى دليل مادى على قدرة المقدمة المنطقية على الحد من رحابة الفنان فى تعامله مع المكان والزمان والحدث ومختلف الاتجاهات الفنية، فمن حقنا أن نتساءل أين وعى الكاتب؟ ألم يدرك فى لحظة من اللحظات أن طريقته هذه تحد من رحابة فنه؟

الملحوظة الأخيرة فى هذه النقطة هى أن حسين حلمى المهندس لا يفرق هنا بين الفكر والكفاءة الفنية، فصانع العمل قد يكون فيلسوفًا بكل معنى الكلمة، ولكنه لا يجيد استخدام أدواته الفنية مما يجعله يخرج لنا عملًا ركيكًا لا يستحق أن يُرى. وصانع العمل الفنى لابد أن يجيد توظيف تقنياته الفنية على أفضل وجه حتى يستحق لقب فنان.

3 . تحويل الفن إلى نظريات وبراهين:

يوجه حسين حلمى المهندس نقدًا آخر لمبدأ المقدمة المنطقية ويؤكد أن الغرض من الفيلم (أو الدراما عمومًا) ليس “مجرد إثبات نظرية أو البرهنة على مقولة أو محمول أو مقدمة صغرى أو كبرى ـ كما يقول المناطقة ـ فهو تجربة لها من الخصوبة والثراء ما يتجاوز بكثير هذا التحديد الضيق الذى مكانه المؤسسات العلمية. ولا ننسى أن كثيرًا من الفنانين يرفضون تمامًا أن يقدم الفن أية نظريات أو حلول.”4

سوف نعود إلى مقولة ثراء التجربة الفنية وخصوبتها فيما بعد، ولكننا نلاحظ إصرار حسين حلمى المهندس على اعتبار المقدمة المنطقية مساوية للعمل الفنى كله، وليست مجرد بداية ينطلق منها الكاتب فى كتابة عمله المسرحى أو السينمائى، وهو ما يتضح من خلال ذكره مجموعة من المقدمات المنطقية فى بداية نقده ثم قوله إن هذه المقدمات ليست من عنده ولكنها منقولة عمن توصلوا لهذا المصطلح نتيجة تحليل بعض المسرحيات العالمية5، وكأنها دون المستوى، ويؤكد أن الغرض من الفيلم والدراما ليس إثبات نظرية أو البرهنة على مفهوم معين، والرد على هذا النقد بسيط وسهل.

أولًا: من حق الفنان أن يُوظف عمله كيفما شاء، فقد يوظفه لإثبات نظرية أو مقولة فكرية أو أخلاقية، وهو ما فعله الكثيرون على أية حال، ومن حقنا أن نحكم على قيمة التجربة الفنية المقدمة لنا، وإذا كانت هذه التجربة ذات قيمة فنية عالية فإننا لن نهتم عن الكيفية التى بنى عليها الفنان عمله. بالتالى لا يوجد تعارض حقيقى بين النظرية والفن وتقديم الحلول، والكثير من الأعمال الفنية، مثل أفلام بودفكين Vsevolod Pudovkin وايزنشتين Sergei Eisenstein، تقوم على نظريات فنية وفلسفية قرر أصحابها أن يستخدموها فى مجال السينما. إذن لا يهم كيف بنى الفنان عمله، ولكن المهم هو العمل نفسه. والعمل الفنى السيء ليس نتاج ’’مقدمة منطقية‘‘ أو ’’نظرية‘‘ بل هو نتاج ضعف موهبة أو سوء استخدام للأدوات الفنية، ,كان مصير السينما سوف يكون تعيسًا إذا أصر بعض الفنانين على رفض تطبيق نظرياتهم على الأفلام السينمائية.

 

ثانيًا: لا يتسم مفهوم المقولة أو مبدأ المقدمة المنطقية بالسطحية التى نستشفها من كلمات حسين حلمى المهندس، فقد تجاهل الأخير أن لاوس اجرى قد وضع الجدل وصراع الأضداد كشرط أساسى، ضمن شروط أخرى، لكتابة مقدمة منطقية سليمة. ونكرر مرة أخرى أن اجرى قد اتخذ من مفهوم المقدمة المنطقية منطلقًا لتشكيل البنية الفكرية التحتية الأولى للعمل الدرامى وليست العمل الدرامى نفسه أو فى مجمله.

وإذا اكتفى الفنان فقط بالمقدمة المنطقية، من دون أن يتعمق فيها وأن يجادلها ويكتشف أضدادها فلن يكتب سوى قصص أحادية الاتجاه (وهذا مستحيل؛ فحتى القصص الوعظية تحتاج إلى جدل يتمثل فى صراع الشخصيات الشريرة المسطحة مع الشخصيات الخيرة المسطحة). ويدعو اجرى الكاتب أن يستخدم المنهج الجدلى كى يستكشف الأبعاد الأخرى المطمورة فى مقدمته المنطقية. فإذا توصل الكاتب على سبيل المثال، ومن خلال رؤيته للعالم ودراسته له (وهو ما يتبدى فى دعوة لاوس اجرى للكاتب أن يتجاوز الشكل الظاهرى وأن يتعمق فى السلوك الإنسانى)، إلى أن الفقر هو السبب وراء انتشار الجريمة، فعليه أن يبدأ فى استكشاف أشكال الفقر فى المجتمع سواء الفقر المادى أو الفكرى أو الروحى أو المجتمعى، وآليات فكر الفقر ويدرس كيف يرتبط الفقر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالجريمة، وأن يتساءل حول دور المؤسسات الاجتماعية فى الحد من مشكلة الفقر، وقد يشكك فى أنها تزيد مشكلة الفقر وترسخها من خلال إنتاج قوانين جائرة تحمى الطبقات العليا ومصالحها على حساب الطبقات الفقيرة.

إن المنهج الجدلى الذى يدعو إليه اجرى، خاصًة أنه يرى أن الدعوى النقيضة Anti-thesis تكمن فى قلب الدعوى الأولى Thesis نفسها، سوف يدفع الكاتب إلى استكشاف الصراعات الموجودة فى قلب العمل، ومن خلال إزجاء روح الصراع فى العمل سوف ينضج العمل، ويصل المؤلف إلى الحقيقة كما يراها.

إن الديالكتيك ليس حركة بسيطة، بل هو مجموعة من الحركات التى تؤدى إلى تغييرات حقيقية، وينظر البعض للجدل على أنه نقيض الميتافيزيقا. ويقود الجدل إلى البحث فى كافة العناصر المتوفرة كى يخلق تفاعلًا بينها. وهو ما نراه فى توظيف الفنان السينمائى لأدواته الفنية المختلفة بحيث تتباين وتتعارض وتتصارع مع بعضها البعض، فاللقطة القريبة قد تتصارع مع اللقطة البعيدة، وكذلك الإضاءة وحركة الكاميرا، والمونتاج وغيرها، ويستخدم الفنان السينمائى كل هذه الأدوات لمحاولة كشف حقيقة الوضع الإنسانى.


1. حسين حلمى المهندس: دراما الشاشة بين النظرية التطبيق للسينما والتليفزيون، الجزء الأول، الألف كتاب (الثانى)، 77، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989، ص: 60.
2. نفسه، ص: 61.
3. نفسه، ص: 63.
4. نفسه، ص: 61.
5. نفسه، ص: 60 ـ 61.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 6

1 ـ لاوس اجرى:

وُلد لاوس اجرى Lajos Egri، وفقًا لموقع Wikipedia، فى عام 1888 وتُوفى فى عام 1967 عقب إصابته بأزمة قلبية.

وصل لاوس اجرى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو فى العاشرة من عمره مهاجرًا من المجر. وعمل فى بداية حياته خياطًا، وكان عضوًا نشطًا فى اتحاد العاملات فى مجال الخياطة.

وبدأ اجرى نشاطه المسرحى وهو فى سنواتها الأولى، وفى سن العاشرة اكتب أول مسرحياته، وكانت مسرحية من ثلاث فصول. وفى عام 1927 عُرضت له مسرحية Rapid Transit، وهى مسرحية تعبيرية، وهو اتجاه مسرحى كان سائدًا حينذاك فى أوروبا ثم انتقل إلى أميركا وتأثر به العديد من كتاب المسرح الأمريكى الكبار مثل يوجين أونيل، ونالت المسرحية نجاحًا متواضعًا، رغم العيوب التى أشار إليها نقاد المسرح إلا أن هناك بعض النقاط الإيجابية التى نالت إعجابهم.

واستمر اجرى فى الكتابة للمسرح وألف مسرحيات عديدة مثل صدقنى أو لا Believe Me or Not (1933) وإعصار Tornado (1938) وهذا هو الحب This is Love (1945) ونادى الصبار The Cactus Club (1957)، وكتب أيضًا مسرحيات بلغة موطنه الأصلى. وبجانب تأليف المسرحيات، قام لاوس اجرى بتدريس الكتابة الإبداعية حتى قبل وفاته بفترة قصيرة.

ورغم أنه لم يكن أول من ألف كتابًا فى حرفية الكتابة المسرحية إلا أن اسمه طغى على كل من سبقه، وظل كتابه، فن كتابة المسرحية The Art of Dramatic Writing هو الأشهر والأبرز والأكثر انتقادًا والأكثر إشادة فى نفس الوقت فى معظم كتب الحرفية التى جاءت بعده على اختلاف توجهاتها1، ووصلت شهرة كتابه لدرجة أنه دخل مؤخرًا فى مجال تأليف ألعاب الفيديو كما سنرى.

2 . فن كتابة المسرحية:

نشر لاوس اجرى أول كتبه فى عام 1942 تحت عنوان كيف تكتب مسرحية How to write a Play، ثم أعاد تنقيحه بعدها بأربع سنوات ونشره مرة أخرى تحت عنوان فن كتابة المسرحية فى عام 1946.2

وفى عام 1952 نشر اجرى كتابه الثانى مفتاحك إلى كتابة ناجحة: كتيب لرجل من عامة الشعب يريد أن يكتب، وللكاتب الذى يريد أن يفهم الرجل الذى ينتمى لعامة الشعب Your Key to successful writing: A handbook for the layman who wants to write, and for the writer who wants to understand the layman، ولا توجد معلومات أو حتى تعليقات من القراء حول هذا الكتاب سواء بالسلب أو الإيجاب على موقع أمازون Amazon أو موقع Goodreads، ولكن الشيء الواضح أن دور النشر قد توقفت عن طباعته بعد أن نفذت طبعته الأولى.

وفى عام 1965، وقبل وفاته بعامين، نشر لاوس اجرى كتابه الثالث والأخير فن الكتابة الإبداعية The Art of Creative Writing، وقد نال نفس حظ سابقه وتوقفت الدور النشر عن طباعته عقب نفاذ طبعته الأولى، ويضيف موقع Goodreads للاوس اجرى كتابًا رابعًا ولكنه فى الأغلب ترجمة إيطالية لكتابه الثالث3.

ورغم أن معظم القراء ودور النشر تجاهلوا كتبه الأخيرة، إلا أن كتابه الأول، فن كتابة المسرحية، ظل هو الأشهر وأفضل كتاب فى حرفية الكتابة بإجماع عدد كبير من المواقع والقراء وكتب الحرفية. وقد اعتبره موقع Wikipedia من احسن الكتب فى مجال فن كتابة المسرحية، وأيد وددى آلن Woody Allen هذ الرأى، وقد تعلم هو شخصيًا على يد لاوس اجرى، وأعلن فى محادثاته مع إريك لاكس Eric Lax أن كتاب فن كتابة المسرحية هو أفضل حرفية على الإطلاق.4

the art of dramatic writing

وبسبب هذه الشهرة ظلت طبعات هذا الكتاب تتوالى حتى يومنا هذا، وانتقلت تعاليمه بسهولة إلى مجال كتابة القصة القصيرة والرواية والسيناريو. ورغم أن كتابه الثانى، فن الكتابة الإبداعية، يكمل لكتابه الأول؛ خاصة موضوع رسم الشخصية، ولكنه لسبب ما لم ينل نفس شهرة كتابه الأول.

وقد انتشر كتاب فن كتابة المسرحية انتشارًا واسعًا فى مصر والوطن العربى، وظل يُذكر باعتباره من أهم كتب التأليف المسرحى، وازدادت شهرته مع الوقت، ولم تخفت إلا مؤخرًا وعقب ترجمة كتب السيناريو الأمريكية والفرنسية إلى اللغة العربية.

وعند التحاقى بالمعهد العالى للسينما، فى منتصف التسعينات، كان أساتذة الدراما يذكرونه ويشجعون على قراءته باعتباره من أهم الكتب التى تعلم الكاتب الشاب حرفية الكتابة المسرحية والسينمائية، وكانوا يوصون بقراءته لمن يرغب فى كتابة سيناريو جيد، وحتى هذه اللحظة لا يزال بعض مؤلفى الدراما ومدرسيها يسألون كتاب السيناريو الشباب عن مقدمتهم المنطقية أو ما الذى يريدون إثباته فى أعمالهم، وينظر لهم الكتاب الشباب فى دهشة، لأنهم لا يعرفون ما الذى يقصده الكتاب أو الأساتذة الأكبر سنًا بهذا المصطلح؛ لأن أغلب الجيل الحالى لم يطلع على كتاب فن كتابة المسرحية.

وإذا كانت الأضواء قد انحسرت عن هذا الكتاب فى مصر والوطن العربى، فإنها لم تنحسر عنه فى أوروبا وأميركا، ولا يزال الكتاب يحتل مكانة هامة فى الخارج، وهو من المراجع الأساسية فى كتاب كتابة النص السينمائى الإبداعى Creative Screenwriting: Understanding Emotional Structure، وقد استعانت مؤلفته كريسيتنا كلاس Christina Kallas بأفكار لاوس اجرى، خاصة مفهوم المقدمة المنطقية، فى مناطق عديدة فى كتابها. وتنظر أغلب كتب الحرفية إلى كتاب فن كتابة المسرحية كواحد من الكتب الأساسية التى لابد أن يطلع عليها الكاتب حتى يتعلم أسس حرفية الكتابة سواء للمسرح أو للسينما أو للأدب. ونحن نراه مذكورًا كأحد كتب الدراما الأساسية فى كتاب كتابة السيناريو: مزج الشكل بالمضمون Screenwriting: Blend the Form with Content وفى كتاب فن الاقتباس: تحويل النصوص الأدبية والمسرحية والقصص الحقيقية إلى أفلام The Art of Adaptation لليندا سيجر Linda Seger، والتى تعترف أنها تستعين بمفهوم المقدمة المنطقية عند تحليل معظم السيناريوهات السينمائية المقدمة إليها. وقد اعتبر سد فيلد كتاب فن كتابة المسرحية كأشهر كتب الحرفية فى الخمسينات والستينات وأهمها، وإن كان قد عاب عليه تركيزه على المسرح وبعده عن السينما، واستعانته بأمثلة مسرحية قديمة عفى عليها الزمن، ومع ذلك ظهر تأثر سد فيلد بأفكار الكتاب القديم فى إعادة تدوير مصطلح Premise فى كتبه الحديثة بعد أن احتفظ بجزء من معناه السابق وترك النصف الآخر من المعنى! وقد استعان العديد من الكتاب والمخرجين والمسرحيين بكتاب فن كتابة المسرحية عند تقديم أعمالهم. وقد أثر لاوس أجرى على مجال رسم الشخصية فى جميع أشكال الكتابة، حتى كتابة أفلام الرسوم المتحركة، بصورة لا رجعة فيها، فلا يوجد كاتب سيناريو فى العالم لا يتحدث عن الأبعاد الثلاثة للشخصية وهى البعد المادى والنفسى والاجتماعى، وكان هذا من أشهر أشكال تأثير لاوس اجرى على حرفية الكتابة، وسوف نعود إلى مفهومه للشخصية فى كتابه فن كتابة المسرحية أو كتاب فن الكتابة الإبداعية قريبًا إن شاء الله.

وقد أثر منهج المقدمة المنطقية على العديد من مؤلفى كتب الحرفية بصورة مباشرة، واتخذه البعض، مثل جيمس فراى James Frey، وسيلة أساسية لتطوير العمل الروائى، أو تطوير السيناريو السينمائى مثل ستانلى ويليامز Stanley Williams والذى طور فكرة المقدمة المنطقية وضفرها فى حرفية كتابة السيناريو السينمائى فى كتابه الشهير المقدمة المنطقية الأخلاقية Moral Premise (وسوف نعود إلى كتب جيمس فراى وستانلى ويليامز فى المقالات القادمة).

3 . المقدمة المنطقية:

يعد مصطلح المقدمة المنطقية Premise أو مبدأ المقدمة المنطقية ـ كما يقول حسين حلمى المهندس ـ من أشهر طرق صياغة الفكر الموجود فى النصوص الدرامية والأدبية والسينمائية وأسهلها؛ فهو يتكوّن من مقدمة ونتيجة.

وقد اُستخدمت المقدمة المنطقية قديمًا فى الكتب الفلسفية وكتب المنطق وبعض كتب الحرفية، ولكن لاوس اجرى Lajos Egri كان أول من توسع فى شرح هذا المصطلح ونقله، بكل عوالقه المنطقية، من عالم المنطق إلى عالم الكتابة المسرحية والسينمائية. وقد ذاع صيت هذا المصطلح بين مؤيد ومعارض فى أميركا وأوروبا، وانتشر المصطلح فى مصر والوطن العربى عقب ترجمة كتاب فن كتابة المسرحية إلى اللغة العربية على يد المترجم الراحل درينى خشبة فى أواخر الخمسينات، وقد ظهرت طبعة جديدة من الكتاب فى منتصف التسعينات، وكما حدث فى أميركا نال المصطلح تأييد البعض ورفض البعض الآخر.

وقد وقع اختيار لاوس اجرى على هذا المصطلح لأن رأى أن المصطلحات الأخرى مثل الثيمة Theme والفكرة الرئيسية والعاطفة والفكرة المحورية لا تحقق الهدف المنشود منها بسبب الاختلافات الهائلة حول معانيها، كما أنها يمكن أن تندرج بسهولة تحت عباءة مصطلح المقدمة المنطقية، كما أن خلفية المصطلح الفلسفية والمنطقية تجعله مضبوطًا ودقيقًا عند استعماله فى العمل الفنى.

ورغم الاختلاف حول قيمة هذا المصطلح ولكنه ما زال مستمرًا حتى وقتنا هذا، وما زال البعض يتعامل معه وكأنه اكتشف اكتشافًا هامًا فى حرفية الكتابة، ولا تزال المقالات والكتب تحتفى به وتستخدمه فى تشريح وتحليل النصوص المسرحية والأدبية والسينمائية. وقد وُظف هذا المصطلح فى بعض الأحيان كى يشير إلى ملخص قصة العمل وفكرته.


1. https://en.wikipedia.org/wiki/Lajos_Egri
2. Ibid
3. https://www.goodreads.com/author/show/61402.Lajos_Egri
4. https://en.wikipedia.org/wiki/Lajos_Egri

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 5

1 . الفكر والحبكة:

يقول أرسطو فى كتابه فن الشعر:

“من البين، أن الأحداث التراجيدية يجب أن تُعالج هى الأخرى، بنفس الوسائل التى يعالج بها الكلام، إذا كان من الضرورى حمل تلك الأحداث على أن تثير الشفقة، أو الخوف، أو الأهمية أو الاحتمالية. والفرق الوحيد، هو أن الحدث ينبغى أن يؤثر من تلقاء ذاته دون شرح؛ بينما التأثيرات الناتجة عن الكلام، ينبغى أن تتولد من كلام الناطق كنتيجة للغته. وإلا فما هى مهمة الناطق، إذا كانت الأمور واضحة دون استعمال الكلام؟”1

وهو ما يعنى أن الأحداث والحبكة تعكس فكر العمل بالإضافة إلى الحوار والشخصيات وغيرها من عناصر العمل الدرامى. ويشكل الفكر أركان الصراع فى المسرحية، فمهما كان صراع العمل مادى على السطح، فسوف يعكس الصراعات الفكرية والقيمية التى تفور داخل العمل. ويسيطر الفكر على ترتيب عناصر الحبكة وشكل البناء فى العمل الدرامى والروائى؛ وهو ما يؤكده دكتور إبراهيم حمادة عند تقسيمه الفكر فى العمل المسرحى إلى فكر إيجابى وفكر سلبى، فتأملات “الشخصيات المسرحية التى نتعاطف معها وقراراتها الفعلية، يمكن اعتبارها فكر المسرحية الإيجابى. وتتأثر هذه المحصلة ـ بلا شك ـ بأقوال وأفعال الشخصيات الأخرى الخصيمة التى لا نتعاطف معها. وعلى هذا، فإن الفكر السلبى، أو المناقض، يعد هو الآخر عاملًا مساعدًا فى تصميم وبناء الفكر العام فى المسرحية.”2

وفى كتابه كتابة المسرحية: بنية الحدث، يقول سام سمايلى، إن الحبكة هى حدث مبنى، وبالتالى تحتوى على فكر. و”عند تجميع كل الأفكار والحجج التى يتم التعبير عنها أو تتضمنها المسرحية، فسوف تصبح من مواد الحبكة. على سبيل المثال، حينما تفكر الشخصية فإن هذا نشاط، وسلسلة من النشاطات الصغيرة كهذه سوف تشكل الحدث الأكبر. وبالتالى من المستحيل أن يتجنب كاتب المسرحية وضع أفكارًا فى مسرحيته، لأن المزيج العضوى من الشخصيات والأحداث دوامًا ما يفصح عن رؤية للسلوك الإنسانى.3

وقد تعمق جيمس توماس فى كتابه تحليل النص المسرحى وبحث عن أشكال تجسد الفكر فى الحبكة، منطلقًا من فكرة أن الحبكة تعد تجسيدً، كغيرها من عناصر المسرحية، للفكر، بل أن أنماط الحدث وطريقة سير الحبكة سوف تعبر عن الفكر بصورة أوضح وأقوى من الحوار.

1 . 1 . التوازى:

يُستخدم التوازى Parallelism فى العمل الدرامى أو الروائى حينما يشعر الكاتب أنه يحتاج للتعبير فى عمله عن أفكار متشابه أو متقاربة. وتظهر فكرة التوازى حينما تتقارب أو تتضاد بعض الشخصيات أو الأحداث مما يسهل على المتلقى أن يربط بينها، وسوف تتضح تقنية التوازى بجلاء من خلال تكرار بعض التفاصيل أو تشابه فى الأحداث أو تضاد بين الشخصيات المتشابه فى بعض العناصر أو كل ما سبق4. وهذا ما يجعل تقنية التوازى تشير بوضوح إلى الفكرة.

ويضرب توماس مثلًا بمسرحية هاملت Hamlet حيث يكثر التوازى بين الشخصيات، خاصًة فى بعض الأحداث أو المكانة الاجتماعية، مثل موت الأب أو مقتله أو ورث الملك، فوالد هاملت قد قُتل وكذلك والد لاتريس Laertes وأوفيليا، وإذا كانت أوفيليا قد أُصيبت بالجنون فإن هاملت لم يجن، وإذا كان لاتريس قد قرر الانتقام فور معرفته بقاتل أبيه، فإن هاملت لم يتخذ مثل هذا القرار رغم أنه يعرف هوية قاتل أبيه.

ويمتد التوازى ليشمل هاملت وفورنتبراس Fortinbras لنظرًا للمكانة التى تربط بينهما، فقد سعى الثانى فور موت أبيه لاستعادة أرضه ومملكته من عمه الضعيف، بينما لم يسع هاملت لاستعادة ملكه رغم حب الشعب له.

ونستطيع أن نجد التوازى فى العديد من النصوص والتى تشير إلى فكر العمل بوضوح. ففى رواية الطريق لنجيب محفوظ نرى موتيفة اختفاء الأب تتكرر مع شخصية آمال وشخصية صابر، ولكن فى الوقت الذى قررت آمال أن لا تبحث عن أبيها الذى تركها هى وأمها، وأن تشق طريقها فى الحياة وتنجح، نجد أن صابر يسعى بكل قواه للعثور على أبيه.

تقنية التوازى تجعل الشخصيات والأحداث مرآة لبعضها البعض، وهو ما يساهم بقوة فى كشف عناصر وخفايا فى الشخصيات والأحداث المتقابلة أو المتضادة.5

وقراءة سريعة لتحليل كلود ليفى ستروس للأسطورة، خاصة أسطورة أوديب، يكشف عن الدور الذى يلعبه التوازى فى كشف البنية الفكرية التحتية للعمل كله، وقد تم الاستعانة بطريقته فى تحليل أسطورة أوديب فى العديد من الأعمال النقدية سواء فى مجال المسرح أو فى مجال السينما، وخاصة الكتابات النوعية، وهو ما يمكن أن نعثر عليه بسهولة فى كتاب آفاق الغرب لجيم كيتس.

2 . 1 . الصراع:

يتم الكشف عن المعنى الكلى للأعمال الدرامية من خلال طرح أسئلة مثل “ما هى قوى المتصارعة فى العمل؟ ومن هى القوى التى تنتصر فى النهاية؟ ولماذا تنتصر؟ ولماذا تنهزم؟ وفى معظم المسرحيات هناك قوتين متصارعتين.”6

ويضرب سمايلى مثلًا بمسرحية السلاح والإنسان Arms and the Man لجورج برنارد شو، ويقسم الشخصيات إلى قوتين متعارضتين: الواقعيين والرومانسيين، وتنتصر قوة الواقعية لأنها كشفت سذاجة القوة الرومانسية، وقد توسع جيمس توماس فى دراسة هذه النقطة، وطلب من قارئ النص أن يظل يتعمق فى النص إلى أن يصل إلى الصراع الفكرى Intellectual Conflict الحقيقى الذى يكمن وراء كل أفعال الشخصيات6، والذى يشكل النص الضمنى Subtext للعمل.

ومن خلال التمحيص والدراسة سوف يدرك القارئ أن الصراع المادى المباشر الذى يراه على الشاشة ليس إلا انعكاسًا لصراع فكرى فلسفى فى كثير من الأحيان. ففى مسرحية الجاموس الأمريكى American Buffalo للكاتب الشهير ديفيد ماميت David Mamet، على سبيل المثال، يوجد صراع مادى يُمثل على خشبة المسرح، ولكنه فى حقيقة الأمر يعكس أن البطل، ورغم كونه لصًا، يتمسك بمثل أعلى ويحارب من أجله ضد واقع يريد أن يفرض عليه المساواة.

ويطلب جون تروبى John Truby فى كتابه تشريح القصة من كاتب السيناريو أن يدرك أن الصراع الحقيقى فى العمل هو ما يوجد خلف كل تلك الأحداث والشخصيات وأن هذا الصراع فى حقيقة الأمر هو صراع فكرى، قيمى، وفلسفى، فالقصص البوليسية على سبيل المثال تبدو من على السطح وكأنها تدور حول صراع المحقق من أجل أن يقبض على القاتل، ولكنها فى حقيقة الأمر حول صراع على الحقيقة، فالمحقق يسعى لأن يصدق الجميع حقيقة ما حدث، بينما يرغب القاتل فى أن يفرض كذبته كحقيقة ويجعل قصته مصدقة من الجميع.7

3 . 1 . الذروة الرئيسية:

يستشهد جيمس توماس بمقولة المخرج الأمريكى إليا كازان Elia Kazan ـ المخرج المسرحى والسينمائى الشهير وسوف نتناول كتابه ملاحظات على الإخراج قريبًا إن شاء الله ـ أن الذروة الرئيسية Main Climax للمسرحية هى “أكثر النقاط تجسيدًا لفكرة المسرحية الرئيسية. فكل عناصر المسرحية تتجمع فى هذه النقطة، وتظهر كل عناصر العمل فى أزهى صورها المسرحية هنا. ويتم الحكم على ذروة المسرحية الرئيسية من خلال إتقانها أداء كل هذه الوظائف. وكل قوى المسرحية لابد أن تقدم أفضل ما لديها فى هذه اللحظة.”8

ويضرب جيمس توماس مثلًا بذروة مسرحية البطة البرية The Wild Duck لابسن Ibsen، قائلًا تعرض ذروة المسرحية “من خلال أفعال بشرية ملموسة أن جريجرز Gregers ينتمى إلى نوع خطر من الأشخاص المثاليين الراديكاليين. ورغم أن رلنج Relling يمد المسرحية ببعض الملاحظات الدالة بخصوص الموقف [موت الطفلة الصغيرة]، إلا أن إبسن اختار أن يعبر عن فكرته الرئيسية للمسرحية بصورة مسرحية Theatrically، أى من خلال أفعال الشخصيات ومواقفها.”9

ويوصى جيمس توماس فى النهاية بدراسة الذروة الرئيسية للمسرحية لأنها تستطيع أن تعطينا “فهمًا بخصوص آليات بناء الفكر وعملها فى المسرحية، وهى ترينا أن الفكرة فى المسرحية ليست مجرد مصطلح أدبى مجرد ولكنها فلسفة المسرحية التى يتم التعبير عنها فى صورة فعل إنسانى.”10

*****

بعد أن اثبتنا أن عنصر الفكر سوف يتخلل كل عناصر العمل الفنى، سواء كان سيناريو أو مسرحية أو رواية أو قصة قصيرة، سوف نبدأ فى تقديم كيف حاولت كتب الحرفية المختلفة أن تقدم الصيغ الفكرية للعمل الفنى، وسوف نبدأ بمصطلح شهير وهو المقدمة المنطقية Premise.


1. فن الشعر، مرجع سبق ذكره، ص: 212 ـ 213.
2. فن الشعر، مرجع سبق ذكره، ص: 124.
3. Smiley, Sam, Playwriting: The Structure of Action, op.cit, p. 153.
4. Thomas, James, Script Analysis, op.cit., p. 218.
5. Ibid, p. 219.
6. Smiley, Sam, Playwriting: The Structure of Action, op.cit, p. 153.
7. Thomas, James, Script Analysis, op.cit., p. 220.
8. Truby, John, op.cit, p. 46.
9. Thomas, James, Script Analysis, op.cit., p. 220.
10. Ibid, p. 221.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 4

 

1 ـ توغل الفكر فى الشخصية:

لا مفر من تدخل الفكر فى رسم الشخصية، بل أن الحدث الدرامى نفسه، كما يقول سام سمايلى، نتاج فكر الشخصيات والفكر الذى تعبر عنه الشخصيات، وهذا ما يجعل الفكر مكونًا كيفيًا وداخليًا ضروريًا لكل تركيب درامى1. والشخصية الدرامية، وفقًا لسمايلى، هى الشخص الذى يتخذ مجموعة من الاختيارات والقرارات التى تدفع الحدث وتبتكره فى معظم الأحيان. ومن خلال التفكير المنطقى، يؤكد سمايلى أن الشخصية الدرامية تتخذ عادة قرارها بعد أن تفكر فيه، والقرار يحمل بطبيعة الحال وجهة النظر الشخصية وفلسفتها وموقفها من العالم ورؤيتها للكون، بالتالى يصبح الفكر أحد المواد التى تبنى بها الشخصية، والكاتب مطالب عند رسم الشخصية أن يعرف فلسفتها وموقفها ووجهة نظرها وتتضح كل هذه العناصر عند التفاعل مع الأحداث أو الشخصيات الأخرى، وبالتالى يعد “أبسط تعريف للفكر فى الدراما هو أية فكرة ترد فى خاطر الشخصية سواء كان حكمًا أو شعورًا أو إدراكًا أو تدبرًا أو قرارًا.”2

        ويظهر الفكر فى الشخصية، من وجهة نظر سمايلى، فى ثلاث صور.

  1. فى الصورة الأولى يظهر الفكر فى صورة مشاعر ورغبات، ويستيقظ بوتوم Bottom فى مسرحية حلم منتصف ليلة صيف A Midsummer Night’s Dream لشكسبير Shakespeare من حلمه، على سبيل المثال، محملًا بمشاعر معينة، والتى يعبر عنها كخواطر وأفكار، وتنتابه رغبة فى التعبير عنها فى صور أفكار3. وتعتبر مشاعر الشخصية، كما يقول إبراهيم حمادة، جزء أصيل من الفكر لأن مشاعر الشخصيات هى نتاج فكرى للأحداث التى مرت لها الشخصية سواء فى الحدث الدرامى أو قبله، أو من خلال تفاعلها مع الشخصيات أخرى، وكل ما ينتج عن هذه المشاعر من تأملات، فى صورة مونولوجات، سوف يعبر عن فكر ما.
  2. فى الصورة الثانية، وهى أكثر تعقيدًا من الصورة الأولى، يظهر الفكر فى صورة تأمل فكرى يعكس تفكيرًا نفعيًا أو أخلاقيًا، وتعتبر شخصية مثل هاملت أو أغلب شخصيات جورج برنارد شو George Barnard Show من الشخصيات المعروفة بهذا الأمر4.
  3. فى الصورة الثالثة، وهى أكثر الصور تعقيدًا، يظهر الفكر فى صورة اتخاذ قرار5. وأيًا كان هذا القرار، فإنه يحمل رؤية فلسفية تعبر عن فكر الشخصية. ويرفض الحاكم فى مسرحية منمنمات تاريخية أن يخرج المساجين من السجون ليشاركوا فى الحرب حتى لا ينهار النظام؛ لأن قوة النظام من وجهة نظره من قوة السجون. ويستبعد لير Lear ابنته المحبة لأنها لم تنافقه. ويتخذ سام سبيد Sam Spade فى فيلم الصقر المالطى The Maltese Falcon قراره، فى نهاية الفيلم، بتسليم الفتاة التى أحبها إلى البوليس لأن هذا هو ما يمليه عليه ضميره.

وهناك شخصيات يتوغل فيها الفكر لدرجة أن وظيفتها الأساسية فى العمل الدرامى هى التعبير عن الفكرة الكلية أو الرئيسية للعمل، منها الراوى Narrator والكورس Chorus6، ويتجسد الأول فى بعض الأحيان فى صورة صوت من خارج عالم العمل أو شخصية داخل الحبكة تعلق على الأحداث وتلاحظها من بعيد، وقد تعبر، خاصة فى الأعمال الميلودرامية القديمة، عن الفكرة الرئيسية للعمل سواء فى صورة نص دينى أو حكمة شعبية. ويختلف الكورس عن الراوى فى اشتباكه المباشر فى الحدث الدرامى وتفاعله مع الشخصيات الرئيسية، ولكنه فى نفس الوقت مثل الراوى يعرف الكثير عن الحدث والشخصيات نفسها مما يجعله أهل ثقة للوصول إلى فكرة العمل الدرامى من دون أن يتورط فى الحدث الدرامى.

ومن الشخصيات التى تعبر عن الفكرة الرئيسية للعمل المتحدث بلسان المؤلف Raisonneur وهو شخصية ذات مصداقية عالية فى النص، ورغم أنه يشارك فى الحدث، إلا أن مشاركته ضعيفة حتى لا يتهم بأن له مصالح خاصة به، وهو يُستخدم من قبل المؤلف لتوصيل رسالته إلى المتلقى7. وتتميز هذه الشخصية بقدرتها الفائقة على دحض الأفكار الخاطئة فى العمل وتفنيدها، مما يدفع الشخصيات إلى الحنق فى بعض الأحيان والغضب منها، وهو ما يدعم مصداقية الشخصية أكثر وأكثر ويجعلنا نتأكد من صحة أفكارها.

ومن الشخصيات التى لا تشارك بكثافة فى الحدث ولكنها تعبر عن فكرة العمل شخصية كاتم السر Confidant، وهى الشخصية التى تشاركها الشخصية الرئيسية أفكارها وأحلامها وأسرارها وتفصح لها عن مكنون فؤادها. ولا تشارك هذه الشخصية فى الحدث فى معظم الأحيان، وإذا تدخلت فلصالح الشخصية الرئيسية، ولكنها فى معظم الأحيان تكتفى بالنقد الرحيم للشخصية الرئيسية وتحاول أن تصلح عيوبها وأن تنير لها الطريق الصحيح8.

آخر الشخصيات التى تعبر عن الفكر هى الشخصية المعيارية Norm Character وهى شخصية أكثر وعيًا من بقية الشخصيات، وهى أيضًا أكثر فهمًا واستيعابًا للموقف الدرامى، وفى بعض الأحيان أكثر الشخصيات حكمة. ولا تتصف مساحة هذه الشخصيات فى العمل بالكبر حتى لا يقال أن لها مصلحة فى الحدث. وقد تظهر فى جزء من مشهد لتنبه الشخصية الرئيسية إلى قلة وعيها، وهذا اللقاء العابر هو الذى ينير الطريق للشخصية الرئيسية. وتمتلك هذه الشخصيات جاذبية وكاريزما خاصة بها مما يجعل وقعها محببًا فى النفس وليست شخصية منفرة9.

2 . الشخصية والأخلاق:

لكى يوثق أرسطو علاقة الفكر بالشخصية، استخدم مصطلح Ethos ـ أخلاق ـ للتعبير عن الشخصية، وهو ما يدل، من وجهة نظره، “على الجانب الأخلاقى الذى تصدر عنه الشخصية، ويحدد نوعية إرادتها وقراراتها الفعلية”10، ويستطرد إبراهيم حمادة شارحًا العلاقة بين الشخصية والأخلاق قائلاً: “إن الشخصية تتخلق من الأفعال المتكررة تكرار العادة، ومن تأثيرات الظروف المحيطة بها، وكلها عوامل محركة لها. وعندما يأخذ الشخص فى اكتساب تلك الدوافع المحركة، يبدأ فى تفهمها تفهمًا عقلانيًا، ويصبح مسئولًا عنها من الناحية الأخلاقية، ومحكومًا عليه بها من قبل الآخرين، من حيث أنه شخصية صالحة، أم شخصية طالحة.”11 واستخدام كلمة الأخلاق للتعبير عن الشخصية يدل “على الجانب الأخلاقى الذى تصدر عنه الشخصية، ويحدد نوعية إرادتها وقراراتها الفعلية.”12 وسوف تختار الشخصية ما يفصح عن مبدأها الأخلاقى.

ويقسم البعض العلاقة بين الشخصية والفكر إلى قسمين: فكر الشخصية نفسها، أى موقفها وفلسفتها وقيمها، والشخصية نفسها كتجسيدٍ لفكر بعينه سواء اجتماعى أو إيديولوجى أو طبقى، وبالتالى يتدخل فيها الخطاب الإيديولوجى أو الطبقى فى رسم الشخصية.

ويتجسد فكر الشخصية فيما تختاره وترفضه من أفعال، وفيما تعبر عنه من أفكار وقيم تُقال بصورة مباشرة أو ضمنية على لسانها أو تظهر فى أفعالها، ويشترط أرسطو فى كل الأحوال أن يناسب الحوار الشخصية الرئيسية، لأنه من المفترض أنه يعبر فى الأساس عن رأيها هى وليس رأى المؤلف13، ويستطرد أرسطو قائلاً: “إن الأقوال التى لا تجعل هذا الاختيار واضحًا، أو تلك التى لا يختار فيها المتكلم، أو لا ينبذ أى شيء على الإطلاق، فإنها لا تعبر عن الشخصية.”14

ويشكل الفكر ـ والذى يتكوّن من مواقف وآراء وفلسفات وقيم ـ تصرفات الشخصيات وأفعالها وحوارها، وهو ما توسع فيه الآخرون كما سنرى. والفكر، كما يقول إبراهيم حمادة، “هو العنصر الذهنى الذى يتدخل فى كل التصرفات التى نصفها ـ تبعا لمواضعاتنا ـ بأنها معقولة ـ أو غير ذلك ـ والذى من خلاله تستطيع الشخصية أن تجد تعبيرًا ظاهريًا محسوسًا. بمعنى أن الفكر فى مسرحية ما، يتمثل فى كل ما تقوله الشخصيات، وما تفعله. ومن ثمة، فهو يتجلى فى مشاعر الشخصيات، وفى تأملها الفكرى، وقراراتها الفعلية.”15

هنا يتحول الفكر المجرد إلى أفعال وتصرفات، ونراه فى تحول الشخصية واختلاف أفعالها وتصرفات من البداية للنهاية، وفى فيلم Extreme Measures يختار الطبيب جاى لوثان Guy Luthan فى بداية الفيلم أن يعالج الضابط بدلًا من أن يعالج المجرم رغم أن الأخير أصابته أشد وأكثر خطورة من إصابة الضابط السطحية، وقد اتخذ هذا القرار لأنه يرى أن قيمة البعض أكثر أهمية من حياة البعض الآخر، وهو ما يعكس رؤية فكرية. ولكن فى نهاية الفيلم يرفض لوثان أن يدع الدكتور لورانس ماريك Lawrence Myrick أن يجرى تجاربه الطبية على المشردين والفقراء لأنه يجب أن يتساوى الجميع سواسية أمام الطب، وأن لا يتم إعلاء البعض على البعض الآخر. ويرفض السيد أحمد عبد الجواد فى رواية بين القصرين لنجيب محفوظ أن يدع عائشة ـ الفتاة الصغرى ـ تتزوج من ضابط القسم لأن هذا معناه أن الأخير قد سمع عن ابنته أو رأى طرفًا منها، وهو ما يرفضه تمامًا لأن هذا سوف يشوه سمعته فى الحارة.

 

من هنا تأتى ضرورة اختيار شخصيات عاقلة (ليست كاملة كمال أخلاقى) لأن أفعالها مبنية على رأى ووجهة نظر وفلسفة وقيم16.

ويحرص أرسطو على التأكيد على أهمية القيم Values فى حياة الشخصية، بل أن العامل “الجوهرى الذى يبنى الشخصية هو ـ أولًا وقبل كل شيء ـ القيم الإنسانية التى تفصح عنها الأفعال وهذا يعلل سبب تكرار أرسطو لتقريره بأنه لن تكون هناك شخصية، إلا إذا كان هناك اختيار، لأن ما تختاره الشخصية ـ سواء تجلى فى الفعل، أو القول ـ إنما يحدد نوعيتها.

وعلى هذا فإن أية شخصية تكون مؤثرة ـ أو ناجحة دراميًا ـ عندما تكون هى بذاتها مصدر تلك الاختيارات التى تؤلف طبيعتها.”17

ومن هنا جاء تشديد كتب الحرفية المختلفة على مسألة القيم، وأهميتها فى حياة الشخصيات الدرامية، ويضع جيمس توماس James Thomas القيم كأحد أبرز العناصر فى بناء الشخصية الدرامية.

وتعبر الشخصيات نفسها عن فكر أكبر منها، وهو ما يتجلى فى الشخصيات التى تعبر عن فكر طبقى أو إيديولوجى، وهو جزء يأتى من التكثيف الذى يقوم به المؤلف عند كتابة الشخصية، فالمراهق سوف يعكس فى جزء منه رؤية الكاتب للمراهق، والحاكم سوف يعكس فى جزء منه رؤية الكاتب للشخصية التى تتولى الحكم وأثر الحكم على الشخصية، والشخصية الدينية فى جزء منها تعبير عن رؤية الكاتب للدين، وتماهى الشخصيات مع الإيديولوجيا يحدث فى حالات كثيرة، وهو ما يتجلى فى الدراسات الإيديولوجية للشخصيات، والشخصيات قد تتصرف بناء على وعيها الطبقى ومحاولاتها الحفاظ على مكاسبها الطبقية أو تعد تجسيدًا لهذا الفكر.

وتمتد العلاقة بين الشخصية والفكر إلى خارج النص نفسه وتصل إلى المتلقى الذى يحكم على أفعال الشخصية وتأثيرها على الشخصيات الأخرى من خلال معايير أخلاقية فى بعض الأحيان. ويستخدم المتلقى لا محالة معايير أخلاقية فى الحكم الشخصية. وقد عجزت كل محاولات النقد الحديث عن نفى النقد الأخلاقى الذى يصدره المتلقى على الشخصية، وأن يتعامل معها على أنها كلمات من حبر أو صور ضوئية، والنقد الأخلاقى كما يقول واين بوث Wayne Booth ما زال عنصرًا مؤثرًا على حكم القارئ على الشخصية، وهو ما يجعل جون تروبى John Truby وغيره يعلون من قيمة نقاط الضعف الأخلاقية للشخصية عند رسم الشخصية وتشكيل البناء الدرامى للفيلم نفسه. ويقول أرسطو فى هذا الصدد “لكى نحكم على شيء قيل أو وقع بمدى أهميته، أو بغيرها، يجب ألا ننظر إلى الفعل فى ذاته فحسب، أو القول فى ذاته فحسب، وإنما يجب أن نضع فى الاعتبار ـ أيضًاـ الشخص الذى قام بالفعل، أو فاه بالقول، وإلى من يتوجه به، وفى أى زمان، وبأية وسيلة، ولأية غاية؛ وهل هو ـ مثلًا ـ صادر لكى يحقق نفعًا أكثر، أو يجنب شرًا أخطر.”18


1. Smiley, Sam, Playwriting: The Structure of Action, op.cit, p. 154
2. Ibid, p. 153.
3. Ibid, p. 153.
4. Ibid, p. 154.
5. Ibid, p. 154.
6. Thomas, James, Script Analysis, op.cit., p. 215.
7. Ibid, p. 216.
8. Ibid, p. 216.
9. Ibid, p. 218.
10. أرسطو، فن الشعر، مرجع سبق ذكره، ص: 122.
11. نفسه، ص: 122.
12. نفسه، ص: 122.
13. José Angel García Landa, Aristotle’s Poetics, http://www.garcialanda.net.
14. أرسطو، فن الشعر، مرجع سبق ذكره، ص: 114 ـ 115.
15. نفسه، ص: 124.
16. José Angel García Landa, Aristotle’s Poetics, http://www.garcialanda.net
17. أرسطو، فن الشعر، مرجع سبق ذكره، ص: 184.
18. نفسه، ص: 260.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 3

3 ـ تجليات الفكر فى اللغة:

يقدم جيمس توماس James Thomas مجموعة من الأدوات التى تساعدنا على دراسة تجليات الفكر فى لغة المسرحية، وهو لا يقصر اللغة على حوار الشخصيات فحسب، بل يجعلها تشمل كل كلمات النص المسرحى مثل العناوين، والأمثال، والإحالات، والمناقشات، والصور البلاغية والرموز المبثوثة فى الحوار.

وقد خصص جيمس توماس فصلًا كاملًا فى كتابه تحليل النص المسرحى للممثلين والمخرجين ومهندسين الديكور Script Analysis for Actors, Directors, and Designers لمسألة الفكرة ودورها فى النص المسرحى؛ خاصًة أن الجذر الإغريقى لكلمة الفكرة Idea يعنى الشكل الداخلى الذى يتجسد فى شكل الخارجى، أو النموذج الأصلى للعمل.

3 . 1 . العناوين:

تعتبر العناوين Titles هى الملمح الأول، أو العتبة الأولى إذا استعرنا مصطلحات جيرار جينت، الذى يشير إلى فكرة المسرحية، سواء بصورة واضحة أو خفية. وغالبًا ما يزرع المؤلف فكرته أو يشير إليها فى عنوان المسرحية1. وسواء اقتبس المؤلف عنوان عمله عن نص شعرى أو جملة من مسرحية مثل عنوان فيلم الشمال عن طريق الشمال الغربى North By Northwest المقتبس من جملة وردت فى مسرحية هاملت أو قدمه فى صورة مجاز مثل صمت الحملان The Silence of the Lamps أو جعله يتمحور حول شخصيات العمل مثل هاملت وانتجونى وليلى والمجنون أو مكان مثل فيلادلفيا Philadelphia، فإنه يرشدنا إلى كيفية تلقى العمل (وقد اهتمت كتب الحرفية بالعنوان وهو ما سوف نعود إليه فى وقت لاحق إن شاء الله).

فالعنوان، والذى أصبح محل دراسات نقدية عديدة، يعتبر مدخلًا تأويليًا لفهم العمل كله، بل أنه هو الذى يمنح العمل وجوده كما يقول د. خالد حسين حسين فى كتابه فى نظرية العنوان: مغامرة تأويلية فى شؤون العتبة النصية، واسم العمل هو الذى يضعه بين بقية النصوص الحية.

ورغم أن عنوان قد يكون ساخرًا، أو مفارقًا، أو مثيرًا لفضول المتلقى، فإنه فى كل الأحوال سوف يدعونا لاستعادته أثناء العمل أكثر من مرة لفهم ما يجرى من أحداث درامية.

3 . 2 . المناقشات:

قد تبتعد الشخصيات قليلًا عن الحبكة وتشتبك فى مناقشات Discussions مع بقية الشخصيات الأخرى، ولكن مبدأ الوحدة العضوية هو الذى يدفعها لأن تشتبك فى الموضوعات الفكرية التى تدور حولها المسرحية2، ولهذا كان من الطبيعى أن تناقش مسرحية أوديب ملكًا Oedipus Rex موضوعات سياسية ودور القدر والصدفة حياة الإنسان، وأن يناقش هاملت مجموعة من الموضوعات الهامة مثل التمثيل والظاهر والباطن والحقيقة والموت والفساد السياسى.

وتتمحور المناقشات فى بعض الأحيان حول أمور أخلاقية، خاصًة عندما تنحرف الشخصية الرئيسية عن طريق الصواب، وتتخذ فعلًا لا أخلاقيًا من أجل تحقيق هدفها، وهو ما يدفع الشخصيات الحليفة لأن تثور عليها وتناقشها فيما تفعله، وسوف تحاول الشخصية الرئيسية حينذاك أن تبرر فعلها من خلال تقديم الحجج والبراهين التى ترد على حجج وبراهين الطرف الآخر.

وقد تناقش الشخصية الرئيسية خصمها حول ما يفعله، وتقدم شخصية الخصم أيضًا مجموعة من الحجج والبراهين والصور الشعرية التى توضح من خلالها وجهة نظرها. ويقول جيمس توماس بصورة صريحة: “رغم أن المناقشات قد لا تشير مباشرة إلى الفكرة الرئيسية The Main Idea، ولكنها قد تقود إليها من خلال الدراسة الفاحصة لمحتواها والظروف المعطاة The Given Circumstances التى تدور فيها.”3

3 . 3 . الأمثال والحكم:

سبق أن ناقش كينيث بورك الأمثال فى مقدمة مقالته عن الأدب كوسيلة للحياة على اعتبار أنها قصة مصغرة لديها القدرة على تسمية موقف معين، ومن خلال هذه النقطة ينطلق جيمس توماس الذى يرى فى الأمثال والحكم والعبارات المأثورة والشعارات والأقوال الشهيرة كخلاصة تجربة بشرية وخلاصة مناقشة، وتشير إلى مبدأ عام يشير إلى قلب العمل نفسه، وفكرته الرئيسية.

ونحن نلمح هذه المسألة فى استخلاص جمل معينة من الأعمال المسرحية والسينمائية واستخدامها كوسيلة لفهم العمل كله، بل أنها قادرة على إنارة الشخصيات والموقف الدرامى، وتصلح لأن تكون طريقًا يوصلنا إلى فكرة المسرحية الكلية.

وينبهنا جيمس توماس إلى “قيمة الأمثال والحكم فى إضاءة الفكرة الرئيسية للمسرحية يعتمد على السياق كما يعتمد على مصداقية الشخصية التى تنطق بهذه الأمثال والحكم.”4 واستعانة الشخصيات بأمثال أو مأثورات عامة متباينة يدل على الصراعات الفكرية التى توجد فى قلب العمل نفسه.

3 . 4 . الإحالات:

يستعمل جيمس توماس مصطلح الإحالات Allusions (وإن كان فى بعض الأحيان يخلط بينه وبين التناص) لأنه يشير إلى نصوص أدبية أو أحداث تاريخية أو شخصيات عامة أو تاريخية أو يشير إلى الميثولوجيا القديمة موجودة ضمن النص المسرحى، ويستخدم المؤلف هذه النصوص الإضافية لإثراء عمله وربطه بأعمال أخرى.

ورغم أن هذه الإحالات قد لا تكون مفهومة للجميع، ولكنها تشير بوضوح إلى فكرة العمل، وهو ما نراه على سبيل المثال فى أفلام وددى الآن Woody Allen والذى تحفل أفلامه بإحالات مباشرة إلى فلاسفة وفلسفات أو أحداث تاريخية أو ميثولوجية قديمة أو أعمال سينمائية مشهورة أو أفكار علمية وغيرها، والهدف الأساسى من الإحالات هو أن “توسع نطاق الرؤية الفكرية للمسرحية.”5

3 . 5 . الخطب والمونولوجات:

تجسد الخطب والمونولوجات Set Speeches “الجوهر الثيمائى للمشهد أو المسرحية”6. وتختلف الخطب والمونولوجات عن الحوار المسرحى من ناحية الطول والطريقة الخاصة التى تُصاغ بها، والصور الشعرية التى تحتويها، واحتوائها على الكثير من الحجج والبراهين الفكرية.

ومن الضرورى أن نلاحظ أن كل الخطب والمونولوجات تحتوى على صراع داخلى بين وجهتين نظر، ومن أشهر المونولوجات مونولوج “أكون أو لا أكون” لهاملت، والذى يحتوى مثل غيره من المونولوجات على صراع داخلى، هذا الصراع يتمثل فى مجموعة من القيم المتحاربة فى العمل، والتى تشير الفكرة الكلية للعمل.

ويلفت جيمس توماس انتباهنا إلى الدور الذى يلعبه نبرة الخطبة أو المونولوج فى فهم مغزاهما.

3 . 6 . الصور البلاغية:

رغم أن جميس توماس يقصر استخدام الصورة الشعرية أو البلاغية Imagery على الحوار فقط، إلا أننا نستطيع أن نوسعها لتشكل كل الأشكال البصرية سواء فى اللغة أو فى الديكور أو فى التكوين فى الأفلام السينمائية.

وتشير الصور البلاغية بوضوح إلى فكرة العمل، بل أن العمل نفسه قد يصبح كله مجازًا مثل فيلم اليوم السادس ليوسف شاهين والذى يشير إلى نهاية العالم. ويقدم كتاب المجاز فى اللغة السينمائية أكبر دليل على وجود الصور البلاغية بأشكالها المختلفة مثل الكناية والاستعارة والمجاز والتشبيه وغيرها من الصور البلاغية فى السينما. وسوف تتحول هذه الصور فى بعض الأحيان إلى موتيفات Motifs مثل اللون الأحمر والأبيض والأزرق فى فيلم الجمال الأميركى American Beauty، وتشير هذه الألوان بوضوح إلى فكرة العمل.

ويشدد جيمس توماس على أهمية الانتباه إلى هذه الصور لأنها تشير إلى روافد هامة للفكرة الرئيسية للعمل المسرحى7، ويضرب أمثلة عديدة من خلال كتاب عجلة النيران The Wheel of Fire لويلسون نايت G. Wilson Knight الذى يدرس الصور المجازية عند شكسبير، وفى مسرحية عدو الشعب The Enemy of the People لهنريك ابسن Ibsen نجد الصور المجازية التى تشير إلى المسيح عليه السلام.

3 . 7 . الرمزية:

الرمز Symbol هو شيء يشير بسبب الارتباط إلى شيء آخر أكثر من ذاته، فالميزان هو ميزان فى نهاية المطاف، ولكننا أصبحنا نضيف إليه معنى العدالة. ويقسم جيمس توماس بين الرموز العامة المتعارف عليها مثل البومة التى تشير إلى الحكمة والرموز الخاصة التى يصنعها المؤلف فى عمله المسرحى، وقد يضيف المؤلف معانى جديدة إلى الرموز المتعارف عليها. وتختلف الرموز عن الصور البلاغية والبصرية والإحالات إلى تميزها الشديد فى النص، والذى يجعلها ملحوظة بسهولة، فالتماثيل الزجاجية فى مسرحية تماثيل الوحوش الزجاجية The Glass Menagerie ترمز إلى رهافة وهشاشة الشخصيات وعالمها، والطبيب والقس فى مسرحية قطة فوق سطح صفيح ساخن Cat on a Hot Tin Roof يشيران إلى العجز عن إنقاذ حياة الأب وجسده. هذا ما يجعل الرموز قادرة على كشف الفكرة “وتوضيحها أسرع والتأكيد عليها بشدة من بقية العناصر الأخرى.”8

3 . 8 . الافتتاحية والخاتمة:

تعد الافتتاحية Prologue والخاتمة Epilogue تقنيات أدبية إضافية يستخدمها النص لتقديم الفكرة بصورة مباشرة، وتقدم الافتتاحية فى البداية الفكرة التى تدور حولها المسرحية أو تدعو المتلقى إلى التركيز على عناصر معينة من الفكرة، وتعيد الخاتمة تقديم نفس الموضوعات ولكن من خلال سياقات أوسع، وتقدم بصورة مختصرة ما جرى وما حدث للفكرة والتغيرات التى طرأت عليها من البداية للنهاية.9


1. Thomas, James, Script Analysis for Actors, Directors, and Designers, Fifth Edition, (Focal Press, Taylor & Francis Group, New York and London, 2014), p. 206.
2. Ibid, p. 207.
3. Ibid, p. 207.
4. Ibid, p. 208.
5. Ibid, p. 210.
6. Ibid, p. 211.
7. Ibid, p. 212.
8. Ibid, p. 213.
9. Ibid, p. 214.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 2

1 ـ فن الشعر:

فى كتابه فن الشعر Poetics قسم أرسطو Aristotle المسرحية التراجيدية إلى ست أجزاء كيفية “تحدد صبغتها الخاصة، وقيمتها النوعية. والأجزاء هى:

1 ـ الحبكة.

2 ـ الشخصية.

3 ـ اللغة.

4 . الفكر Dianoia.

5 ـ المرئيات المسرحية.

6 ـ الغناء.”1

واعتبر أرسطو الفكر عنصرًا أساسيًا من العناصر التى تشكل التراجيديا، وحتى عندما ظهرت كتب تحاول أن تعيد بناء كتابه المفقود عن فن الكوميديا، مستخدمة نفس العناصر الستة التى تشكل التراجيديا، فقد وضعت الفكر فى نفس المكانة؛ لأنه لا يمكن لعمل أدبى أو مسرحى أو فنى أن يخلو من الفكر.

وقد ارجع البعض اهتمام أرسطو بالفكر فى التراجيديا إلى الهجوم الذى شنه أفلاطون Plato على الفن بصورة عامة وعلى التراجيديا بصورة خاصة، متهمًا إياها أنها لا تقدم فكرًا أو علمًا حقيقيًا يمكن أن يفيد الناس، وأنها تشوه صورة الآلهة وتقدم نموذجًا خاطئًا للشباب والأطفال، وأنها لا تُبنى على علم حقيقى يمكن أن يُدرس، وأنها تقدم مشاعر تفسد العقل.

ودافع أرسطو عن الفن واختلف مع أستاذه، وهو ما أثر، كما يقول البعض، على وجهة نظر أفلاطون إزاء الفن فى أيامه الأخيرة، وهو ما ظهر فى كتابه القوانين The Laws.

وقد أفرد أرسطو مساحة صغيرة نسبيًا، فى كتابه فن الشعر، للفكر واللغة، وذلك لأنه سبق أن تناولهما بالفحص والدراسة فى كتابه الشهير فن الخطابة Rhetoric، ولكن رغم صغر المساحة المخصصة للفكر إلا أنه أكد على توغله فى جميع جوانب المسرحية، بل “يمكن اعتبار كل مسرحية ـ من حيث الفكر ـ نوعًا من التناقش والمناظرة التى تعد فيها المواقف، والانفعالات، والتأملات، والأقوال، والأفعال، وغيرها من مواد للبرهنة والإثبات. أى أن مسرحية ما هى إلا عملية تدليل، عن طريق التصوير الدرامى، وليس عن طريق سرد الحقائق المجردة، أو الممنطقة.”2 ولأن المسرحية تجسد رؤية الكاتب الفكرية والجمالية فمن الطبيعى أن نجد آثار هذه الرؤية منعكسة على عناصر المسرحية المختلفة مثل عنوانها وحوارها وصورها البلاغية وحبكتها وشخصياتها. وهو الأمر الذى دفع تلاميذ أرسطو، أو من انتهجوا نهجه، أن يسيروا على نفس دربه، وأن يبحثوا عن الفكر وتجلياته فى كل العناصر الدرامية للمسرحية، وهو ما سوف نراه فى تأكيد سام سمايلى Sam Smiley للفكر فى كتابه كتابة المسرحية: بناء الحدث Playwriting: The Structure of Action أنه لا مفر من الفكر وأشكاله فى العمل المسرحى؛ لأن كل أشكال الدراما تكشف معنى Meaning موجود فى قلب عالم فوضوى3، وهذا المعنى يُستخرج من الأفكار Thoughts التى توجد فى النص المسرحى، وهذه الأفكار لا توجد فقط فى النص المسرحى، وهو ما سنعود إليه فى المرات القادمة، بل توجد أيضًا فى قلب المؤلف وقلب المتلقى.

وتتخذ الأفكار فى رأس المؤلف شكلين: شكل جمالى وهو مجموع كل الأفكار التى يشكلها المؤلف إزاء مكونات العمل المسرحى من بناء وحبكة وأسلوب وشخصيات وغرض المسرحية نفسها، وتختص هذه الأفكار بطريقة شكل البناء وترتيب عناصره وإعلاء عناصر معينة مثل المكان أو الزمان أو التشويق أو اللغة أو التركيز على الشخصيات وحدها أو جوانب معينة من الشخصيات والعناصر المرئية من العرض المسرحى مثل النغمة العامة Tone للعرض أو غيرها على العناصر، وتعكس هذه العناصر رؤية المؤلف الجمالية للنص، فانتماء النص إلى نوع من الفكر الجمالى سوف ينعكس على الشخصيات وحوارها، وقد يركز المؤلف على فكرة إمتاع الجمهور أو على فكرة إحداث صدمة فى فكر المتلقى وقلبه، هذا النوع من الأفكار من السهل الوصول إليها عن طريق دراسة العناصر التى يسلط المؤلف الضوء عليها، وهذا النوع من الأفكار لا يهتم به إلا النقاد وصناع العمل المسرحى مثل المخرجين والممثلين.

والنوع الثانى من الأفكار التى تخص رؤية المؤلف للإنسان والعالم والمجتمع ومشكلاته، وهنا يقدم المؤلف رؤية للإنسان ودوره فى الحياة مثلما اعتاد هنريك إبسن Ibsen أن يفعل فى مسرحياته، والتى كان يعرف أنها سوف تثير لغطًا فى المجتمع، وكان هنريك إبسن يتعمد أن يفعل هذا حتى يحرك المياه الراكدة فى مجتمعه وأن يحدث ثورة فى العالم كله ضد الأفكار البالية.

تتوجه هذه الأفكار إلى المتلقى مباشرة، وقد يؤمن المتلقى بها وقد يرفضها، ولكنها فى كل الأحوال سوف تؤثر عليه وتدفعه للتفكير وإبداء الرأى4.

2 . الفكر واللغة:

وضع أرسطو اللغة سابقة على الفكر، وفى أحيانًا أخرى جعل الفكر يسبق اللغة. وتعتبر اللغة من العناصر الأساسية فى المسرحية، وبما أن المعنى “هو العامل المكون للغة، فإن اللغة هى المادة التى ينبثق عنها المعنى الموظف فى القطعة الدرامية.”5 لذا يتجسد الفكر، كما يقول أرسطو، فى “كل ما يدلى به القائل سواء ليبين حقيقة عامة، أو يقرر رأيًا.”6 وهذا ما جعل José Angel García Landa يرى أن الفكر عند أرسطو يعنى كل العناصر البلاغية والخطابية فى الشعر المسرحى (أى فى حوار الشخصيات الذى كان يُكتب شعرًا فى هذه المرحلة)7. إن اللغة المسرحية، من وجهة نظر أرسطو، تندرج بوضوح تحت الخطابة والحجاج، ويربط أرسطو بينهما قائلاً: “أما فيما يتعلق بـ’’الفكر‘‘ فلنرجع إلى ما قلناه عنه فى مبحثنا ’’فن الخطابة‘‘، لأن طبيعته تدخل فى هذا الفرع من (ب) الدراسة.”8 ويؤكد أرسطو على العلاقة بين الاثنين قائلًا: “يندرج تحت ’’الفكر‘‘، كل تأثير ينشأ عن استعمال اللغة. ويدخل فى ذلك:

(أ) البرهنة.

(ب) والتفنيد.

(جـ) وإثارة الانفعالات (كالشفقة، والخوف، والغضب، وما شابه ذلك).

(د) وكذلك جعل الأمور تبدو مضخمة هامة، أو تافهة منتقصة.”9

وهذه هى وظائف اللغة فى الخطابة كما بينها أرسطو فى كتابه، حتى المشاعر جزء من أجزاء الخطابة المعروفة، فالخطيب لا يتلو الفكر Logos فحسب، فلابد من استمالة المشاعر Pathos فى الخطبة التى يلقيها الخطيب على الناس، ومع ذلك ينفى إبراهيم حمادة أن يكون هدف أرسطو أن يحول المسرحية إلى خطبة فلسفية، لأن “الفكر ـ الذى يتوسط الشخصية واللغة ـ لا يعنى فى المجال الدرامى الفلسفة والاستنتاجات المنطقية، وإنما هى جملة المشاعر والأحاسيس والآراء، كما أنه الانطباعات ووجهات النظر التى تتخلف على صفحة نفس المتفرج.”10

ويطبق إبراهيم حمادة هذه العناصر الأربعة على الحوار المسرحى، فعندما تتكلم “شخصية ما فى المسرحية، فهى إما:

(أ) تقوم بعملية إثبات، أى تبين ما فى الموقف الدرامى من أشياء معينة، تنبع من افتراض أشياء أخرى.

(ب) وإما تقوم بإيجاد أسباب تعارض بها العوامل التى تشكل مشكلة فى الموقف الدرامى؛ والعمل على تذليلها، حتى يتمكن الفعل من المضى قدمًا.

(جـ) إما تعالج انفعالات، كالتأثير فى انفعال شخصية أخرى، من خلال الكلام والجدل.

(د) وإما تقوم بتضخيم الأشياء، أو التهوين من أمرها.”11

ورغم أن José Angel García Landa اعتبر أن الفكر هو كل العناصر البلاغية والخطابية الموجودة فى الحوار الشعرى12، مستندًا إلى تعريف أرسطو للفكر بأنه كل ما “يقال عند البرهنة على وجود شيء معين، أو على عدم وجوده، أو حيث التعبير عن قضية ما عالمية،”13 ولكنه يوضح أن أرسطو قد وضع قيدًا هامًا وهو أن لا يتحول الحوار إلى شرح مباشر لمعنى الحدث14، وهو ما يؤكده إبراهيم حماده بقوله إن مهمة الكلام “ليست توضيح معنى الأحداث، كما أن مهمة الأحداث ليست توضيح معنى الكلام، فإذا لم يكن للحدث أو الكلام معنى خاص لكل منهما، فلا مكان لهما فى الحبكة. فكل من الحدث والكلام مهمة صحيحة. ولا تنجح المسرحية إذا ما حل أحدهما محل الآخر، كى يعالج مساوئ زميله.”15

************

1. أرسطو، فن الشعر، ترجمة وتعليق: د. إبراهيم حمادة (هلا للنشر والتوزيع، سلسلة المسرح، 17، الجيزة، 1999)، ص: 112.
2. نفسه، ص: 124.
3. Smiley, Sam, Playwriting: The Structure of Action, (Yale University Press, New Haven, 2005), p. 151.
4. Ibid, p. 152.
5. أرسطو، مرجع سبق ذكره، ص: 123.
6. نفسه، ص: 112.
7. José Angel García Landa, Aristotle’s Poetics, http://www.garcialanda.net
8. أرسطو، مرجع سبق ذكره، ص: 212 ـ 213.
9. نفسه، ص: 212 ـ 213.
10. نفسه، ص: 214.
11. نفسه، ص: 215.
12. José Angel García Landa, Aristotle’s Poetics, http://www.garcialanda.net.
13. أرسطو، ص: 114 ـ 115.
14. José Angel García Landa, Aristotle’s Poetics, http://www.garcialanda.net.
15. أرسطو، مرجع سبق ذكره، ص: 215.

الفكر وتجلياته فى كتب الحرفية ـ 1

1 . إيجاد المعنى:

إذا لم يجد الإنسان معنى meaning فى النص text ـ والنص هنا بالمعنى العام لكل شيء فى الحياة ـ فسوف يفرضه عليه.

هذا هو ما استخلصه ديفيد برودويل David Bordwell فى كتابه Making Meaning، والذى يصف فيه ما حدث للنقد حينما أصبح مؤسسيًا يقوم على الاتجاهات النقدية والفلسفية المختلفة، والتى أدت إلى تعدد التأويلات والتى تضيع معنى النص فى بعض الأحيان1.

ولا تقتصر فكرة استخراج المعنى من النص على القراءة اللصيقة Close Reading ـ كما يسميها أستاذ البلاغة الحديثة بارى بروميت Barry Brummett ـ التى ترتبط بالاتجاهات النقدية الكبرى فحسب، بل بكل قراءة لا تكتفى فقط بالتعرف على العلامات المميزة للمنتجات الثقافية Artifacts، بل تسعى للعثور على معنى أو معانى عميقة لهذه العلامات2.

وهو ما نلاحظه على سبيل المثال فى عمليات استخراج المعنى فى كل تفاعلاتنا الحياة اليومية، فالإنسان صانع معنى بالدرجة الأولى؛ والمعنى نتاج أفكار Thoughts مبثوثة فى كل النصوص. وتظهر هذه الأفكار من خلال اختيار الكلمات وترتيبها وما تفعله الشخصيات وسماتها وخطاباتها والصور البلاغية المستخدمة والعواطف التى ترتبط بكل العناصر السابقة وغيرها. وهو ما يجعل من المستحيل أن تخلو قراءة نص من النصوص من وجود معنى ما.

والنقد البلاغى الحديث، والذى ينتمى إليه بروميت، يقوم بالدرجة الأولى على قراءة الرسائل Messages التى ترسلها كل النصوص، فلا يوجد نص بلا رسالة. واحتفال عسكرى مهيب هو رسالة إلى دولة أخرى، واختيار ممثل بعينه للقيام بدور ما فى الفيلم هو رسالة لها معناها.

إن الهدف الأساسى من عملية القراءة هى العثور على معنى، ولن يستمر القارئ إذا شعر أن النص الذى يطلع عليه هو هذيان كامل، أو أن كاتبه لا يعى ولا يدرك ما يقول.

وعملية البحث عن المعنى هى عملية يومية، يقوم بها المتلقى أثناء فك شفرة مئات الرسائل التى يتلقاها من وسائل الإعلام أو محادثات الأصدقاء أو حركة التنقلات فى عمله أو اختفاء بعض السلع من الأسواق. وتكاد تصبح عملية استخراج المعانى من النصوص عملية لا ارادية فى بعض الأحيان، ويعجز المرء عن إيقافها بإرادته، وهو ما دفع علماء علم النفس المعرفى للتشكيك فى فكرة التعليق الإرادى للشك Willing Suspension of disbelief لأن الإنسان لا يستطيع أن يوقف الشك بقراره فما بالك بالعثور على معنى شارح لكل ما يحدث من حوله، وهو قد يشكك فى هذا المعنى وقد يعثر على الأدلة التى تدعمه، ولكنه لن يتخلى عن استخلاص المعنى أبدًا، بل أن تشكيك البعض فى المعنى الذى استخلصناه من قراءة النص لا تدفعنا للتوقف عن عملية استخراج المعانى، بل تحثنا على بذل المزيد من الجهد للبحث عن الأدلة التى تؤكد صحة هذه المعانى.

ونحن ’’نحب‘‘ أن نستخرج معانى المواقف والأحداث والقصص التى نسمعها، لأننا نبدو أفضل وأقوى وأذكى وأكثر جاذبية، خاصًة إذا اكتشف البعض معنى جديد للنص أو معنى خفى لم ينتبه إليه أحد من قبل، ولكنه كان قادرًا على فك شفرة الحدث المقروء. ونحن نحب أن نشارك الآخرين المعانى التى نعثر عليها، ونندهش فى بعض الأحيان عندما نكتشف أن الآخر قد توصل إلى معنى مختلف لنفس النص.

ويعرف بروميت فعل القراءة (وهى لا تقصر على قراءة النصوص المكتوبة كالروايات والمقالات، بل قراءة أى علامة فى الحياة) بأنها “محاولة للعثور على معانى منطقية ومعقولة فى أية رسالة أو أى منتج”3.

وبعد الانتهاء من القراءة سوف يقدم القارئ حججًا يدافع بها عن المعنى الذى اكتشفه فى النص؛ وسوف يشبه القارئ المحقق ولكنه يحقق للعثور على معنى من خلال الأدلة التى عثر عليها فى النص.

ويعتبر سؤال “ما الذى يريد أن يقوله هذا النص الأدبى أو الدرامى أو الفيلمى؟” هو من أكثر الأسئلة التى تُطرح على صناع الأعمال الفنية، فاختيار ممثلة أو ممثل للقيام بدور معين يحمل مغزى ما، وطريقة التصوير المميزة، والتى سبق توظيفها فى مدرسة سينمائية قديمة، تحمل فكرة ما، وبالطبع يُطرح هذا السؤال بكثرة على النصوص الغامضة والملتبسة والملغزة مثل النصوص الحداثية.

2 . الفن أداة للحياة:

يجيب كينيث بورك Kenneth Burke فى كتابه فلسفة الشكل الفنى: دراسات فى الفعل الرمزى The Philosophy of Literary Form: Studies in Symbolic Action عن السبب وراء سعى الإنسان للبحث عن معنى فى الأدب والقصص تحديدًا لأنهما أدوات تؤهلنا للحياة4 Equipment for Living، وينجذب المتلقى للفن ويكن احترامًا كبيرًا للفنان لأنه صانع معنى لحياته فى بعض الأحيان، والنص على المستوى الاجتماعى، وهو ما يهم كينيث بورك، هو فعل اجتماعى يسمى الأشياء والأفعال والعالم للإنسان، فتصبح النصوص الأدبية والسينمائية وسيلة أساسية للحياة.

تنبع رغبة المتلقى فى معرفة لماذا فعلت الشخصية الرئيسية ما فعلته؟ ولماذا تراجعت فجأة وهى على وشك أن تحقق ما تريده؟ ولماذا صُور الفيلم من زاوية تصوير غريبة؟ ولماذا انتهى الفيلم فجأة قبل أن نعرف ماذا حدث للشخصية الرئيسية؟ من رغبته فى فهم العالم أكثر، حتى لو أخبره النص أن العالم بلا معنى.

وقد نفهم من النص أن حرمان الشخصية الرئيسية من العطف والحنان فى طفولتها قد أدى إلى ميلها ناحية الجريمة، وأن الوضع السياسى والاقتصادى والاجتماعى قد نمى هذا الميل كى تؤدى الشخصية وظيفة اجتماعية ترفضها الطبقات المحافظة ولكنها لا تخجل من استخدامها، وعندما شعر المجتمع باستفحال خطر هذه الشخصية، والتى ظنت أنها تمتلك قوة ما، انقلب عليها وتخلص منها، وغسل يده منها رغم أنه السبب فى وجودها.

3 . الفكر فى كتب الحرفية:

لكل هذه الأسباب وغيرها احتلت مسألة الفكر أو المعنى (أو ببساطة ما الذى يريد أن يقوله النص) مساحة هامة فى كتب الحرفية المختلفة، وقد ظهرت هذه المسألة بوضوح من خلال المسميات الكثيرة لهذا الأمر؛ فهناك الثيمة Theme ـ وهى اللفظ الأشهر منذ البدايات الأولى لكتب الحرفية وهو ما نجده على سبيل المثال فى كتابات وليم آرشر William Archer، ورغم أن هناك معانى مختلفة لكلمة الثيمة فى كتب الحرفية ولكنها تدور حول نفس الأمر، ما الذى يريد أن يقوله النص، وهناك المقدمة المنطقية Premise والذى قدمه لايوس اجرى Lajos Egri فى كتابه الشهير فن كتابة المسرحية The Art of Dramatic Writing، أو الفكرة الرئيسية The Main Idea، أو الحجة الأخلاقية The Moral Argument لجون تروبى John Truby فى كتابه تشريح القصة The Anatomy of Story أو غيرها من المسميات التى سوف نستعرضها فى المقالات القادمة إن شاء الله.

وبسبب أهمية هذا الجانب فى حرفية الكتابة فقد ظهرت كتب كاملة لهذا الغرض، أو خُصصت بعض الفصول لهذا الأمر فى كتب الحرفية، والتى توصى الكاتب أن يهتم بما يريد أن يقوله لأنه قد يكون السبب فى نجاحه التجارى والنقدى فى بعض الأحيان، ويعلى البعض من أهمية هذا الجانب على بقية الجوانب القصصية الأخرى مثل القصة والشخصية والحبكة؛ فالفكر من وجهة نظره هو الذى يحدد طبيعة القصة، ويبرز جوانب معينة من الشخصية، ويتحكم فى أحداث الحبكة.

ولا تصر كتب الحرفية على معرفة الكاتب بما يريد أن يقوله قبل البدء فى الكتابة، فقد يعرف أثناء الكتابة الفعلية للسيناريو فكرته الرئيسية وقد يعرفها بعد الانتهاء من الكتابة، ولكن لابد أن يعرفها حتى يستطيع أن يقدم عملًا دراميًا متماسكًا. ولهذا نادرًا ما نجد كتابًا من كتب الحرفية يتجاهل هذا الأمر كليًا، فلابد أن يذكرها ولو بصورة عابرة.

وقد برهنت بعض كتب الحرفية على أن كل نوع فيلمى Genre أو حبكة قصصى أو شكل درامى له فكره الخاص، ولابد أن يعرف الكاتب هذا الجانب حتى يجيد كتابة هذه الأنواع أو الحبكات أو الأشكال.

وسوف نبدأ هذه الرحلة الطويلة بإذن الله مع أرسطو Aristotle وكتابه فن الشعر Poetics وهو أول كتاب يصر على أن الفكر Thought أو Dianoia عنصر بنائى يدخل فى بنيان التراجيديا.

************

 1. Bordwell, David, Making Meaning: Inference and Rhetoric in the Interpretation of Cinema, (Harvard University Press, Cambridge, England, 1991), p. xii.
2. Drummett, Barry, Techniques of Close Reading, (Sega, Los Angeles, 2010), p. 6.
3. Ibid, p. 7
4. Burke, Kenneth, The Philosophy of Literary Form: Studies in Symbolic Action, third edition, (University of California Press, London, 1973), p. 295.

وظائف الشخصيات ـ 1

1 . البحث عن وظائف الشخصيات:

عند قراءة كتب الاقتباس السينمائى Adaptation سواء التعليمية التى تهدف إلى تعليم كتاب السيناريو حرفية الاقتباس أو الأكاديمية التى تدرس أنواع الاقتباس المختلفة، سوف نلاحظ أن مسألة وظائف الشخصيات The functions of the characters تشغل حيزًا كبيرًا فى عملية دراسة الاقتباس وتدريسه. ويواجه كاتب السيناريو هذه المشكلة بصورة مستمرة، وهى لا تقتصر على النصوص الروائية الطويلة فحسب، بل تظهر عند اقتباس أى نص أدبى أو مسرحى أو شعرى إلى السينما، فهو مطالب فى حالة اقتباس النصوص القصيرة كالقصص القصيرة والقصائد الشعرية ومسرحيات الفصل الواحد والأغانى أن يضيف شخصيات جديدة إلى السيناريو كى يصل فيلمه إلى الطول القياسى للفيلم الطويل، وهو مطالب فى حالة اقتباس النصوص الروائية الطويلة أو الضخمة مثل الملاحم وروايات الأجيال والروايات الضخمة كالروايات الروسية القديمة أن يحذف شخصيات أو يدمجها فى شخصيات أخرى كى يصل فيلمه إلى الطول القياسى للفيلم الطويل. ولكن على أى أساس يحذف كاتب السيناريو شخصيات ويضيف شخصيات أخرى؟ على أساس الوظيفة الدرامية للشخصية The dramatic function of the character.

ويقدم وليم جولدمان William Goldman سواء فى كتابه الأول أو الثانى Which Lie Did I Tell نموذجًا لكاتب السيناريو الذى يعرف أن عليه أن يحدد الوظيفة الدرامية للشخصيات وأن يبحث عمن يقود الحدث الدرامى حتى يتأكد من تماسك بنائه الدرامى؛ خاصة عندما يقتبس عمل يحتوى على عدد هائل من الشخصيات، وهو ما تعرض له أكثر من مرة عندما اقتبس أعمال غير روائية مثل كتاب كل رجال الرئيس All the President’s Men (والذى نال عنه جائزة الأوسكار كأحسن سيناريو مقتبس) أو اقتباس أعمال روائية مثل رواية القوة المطلقة Absolute Power.

وتصلح حكاية وليم جولدمان كمدخل لبحث أهمية تحديد الوظائف الدرامية لكل شخصية فى العمل، خاصة الشخصية الرئيسية التى سوف تقود الحدث.

لقد طُلب من وليم جولدمان أن يقتبس رواية القوة المطلقة إلى السينما، وشرع وليم جولدمان فى القراءة بعقلية كاتب السيناريو الذى يعرف سوقه جيدًا، والذى يبحث عن الشخصية الرئيسية التى تصلح لأن تقود الحدث الدرامى، وبدأ فى استكشاف الشخصيات الرئيسية فى الرواية، وهو يتساءل فى نفس الوقت عمن يصلح منهم لأن يكون الشخصية الرئيسية1.

واستخرج فى البداية ثلاث شخصيات، قائلاً إن الشخصية الرئيسية سوف تصبح واحدة منهن، فالأفلام، كما يقول، لا تشبه أعمال تشيخوف Chekhov، ويعتبر اختيار البطل هو العنصر الأساسى فى العمل، وبناء على النوع الفيلمى سوف يختار كاتب السيناريو الحبيبة أو الخصم أو الاثنين معًا.

هذا لا يعنى أنه لا يمكن إنتاج فيلم من بطولة عشرين شخصية أو أكثر، فقد عُرف روبرت التمان Robert Altman بإخراج أفلام تحتوى على أكثر من أربعن وعشرين شخصية رئيسية (وسوف نتحدث عن هذه النوعية قريبًا إن شاء الله)، ولكن هذه النوعية من الأعمال السينمائية تحتاج، كى لا تشتت المتلقى، إلى شخصية محورية، سواء المكان أو الزمان أو الظروف الاجتماعية، فالشخصيات الكثيرة ما هى إلا انعكاسات لروح واحدة ولمفهوم أكبر تعكس وحدة عضوية وقد سبق لجولدمان أن كتب مثل هذه النوعية من الأعمال وجعل المكان هو محور الحدث، فكان من السهل أن يستوعب المتلقى الكم الهائل من الشخصيات التى توجد فى فيلمه.

ولكن وضع جولدمان نوع الفيلم وجهة إنتاجه فى المقام الأول لأنه يهدف إلى كتابة فيلم تجارى مبنى على رواية تجارية، وبالتالى يحتاج إلى ثلاث أو أربع شخصيات (وتنويعات ثانوية على هذه الشخصيات).

 وبعد الانتهاء من قراءة الرواية، اكتشف جولدمان أن الشخصيات الكثيرة التى استخرجها من العمل ليست شخصيات ثانوية من النوع الذى يُستخدم لإضفاء الصبغة الواقعية على العمل، ولكنها شخصيات محورية Major، وحذفها سوف يخل بالقصة من ناحية، والإبقاء عليها سوف يجعل السيناريو مربك2 من ناحية أخرى. وما ضايقه حقًا أنه لا يوجد من بين كل هذه الشخصيات شخصية واحدة تصلح لأن تكون نجم العمل3.

ففى البداية ركزت الرواية على ثلاث شخصيات وهى شخصية لوثر Luther اللص والذى يصلح لأن يكون البطل فى السيناريو كما خمن جولدمان، وشخصية ريشموند Richmond رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدته ورجال آمنه، وفى الفصل الثانى من الرواية ظهرت شخصيات جديدة على رأسها جاك Jack المحامى والذى كان على علاقة بابنة لوثر وكان يعرف لوثر معرفة شخصية، ورجح جولدمان أنه يصلح لأن يكون بطل السيناريو ونجمه، ولكن مع الفصل الثالث والرابع ظهرت شخصيات جديدة على رأسها سيث Seth الضابط الذى يحقق فى جريمة قتل الزوجة الخائنة التى قتلها ريشموند، وشعر جولدمان أن هذه الشخصية قد تصلح لأن تكون بطلة العمل.

وتوالى ظهور الشخصيات الأساسية فى العمل إلى أن وصل العدد إلى عشرين شخصية على الأقل.

كان انزعاج جولدمان نابعًا من عدم قدرته على العثور على بطل للفيلم، فاللص، والذى اعتبره وليم جولدمان البطل فى البداية، يُغتال فى منتصف الرواية رغم أنه أكثر شخصية جذابة فى العمل، ورغم أنه يستحق أن يكون هو البطل الحقيقى للعمل ولكنه فى نفس الوقت لا يكمل الرحلة للنهاية، وهى من السمات الأساسية للبطل. بعدها وضع جولدمان المحامى الشاب فى مكانة البطل؛ خاصة أنه هو الذى يتولى التحقيق فى مقتل الأب. ثم تصور جولدمان الضابط قد يصلح لأن هو البطل.

المشكلة أن هناك عقبات ومشكلات عديدة أمام كل اختيار، وكلها مشكلات تتعلق بالوظائف الدرامية للبطل كما سنرى.

فلوثر لا يصلح لأن يكون بطلًا لأنه:

1 . شخصية محفزة فى الأساس، إنه هو الذى يطلق الحدث، ولكنه لا يكمله (ولا يحقق ذروة Climax العمل)، ولا يمكن أن يصبح هروبه هو الحدث الرئيسى لأنه بهذا يحدث تغييرًا هائلاً فى النص الروائى الأصلى.

2 . قلة مشاهده لا تؤله لأن يصل إلى شيء، فهو لا يمر بتغيير أو تحول، وثباته على نفس الحال لا يعنى أى شيء (والمعنى عنصر أساسى كما سوف نرى فى عملية وظائف الشخصيات). إن كل ما يريده هو الهروب خارج البلاد، واغتياله يصبح مجرد وسيلة لإدخال المحامى فى العمل (كما أن مشهد اغتياله كان من المشاهد الرائعة فى الرواية).

إذن اللص كما قُدم فى الرواية لا يحقق وظائف الشخصية الرئيسية أو البطل فى السيناريو.

وفكر جولدمان لفترة فى أن يجعل المحامى هو البطل؛ خاصة أنه كان على معرفة سابقة باللص العجوز وكان يحب ابنته، وقال جولدمان مازحًا إنه ككاتب السيناريو يستطيع أن يبدأ السيناريو بولادة المحامى ومشاهدته وهو يكبر، ولكنه يعرف أنه ليس حرًا كما يدعى، واختيار جاك لكى يكون البطل يتطلب منه أن يؤدى وظائف البطل، ولكن هناك مشكلات تواجه جاك كبطل4، منها:

1 . أنه جاء إلى الحبكة الرئيسية متأخرًا، وفاته الحادثة المفجر للأحداث Inciting Incident (مشاهدة رجال أمن الرئيس الأميركى وهم يغتالون الزوجة الخائنة) والبطل لابد أن يتعرض للحادثة المفجرة للأحداث. وينطبق نفس الأمر على الضابط، فهو لا يتصل بالحدث الدرامى الرئيسى إلا بعد فترة طويلة من بدء العمل (مشاهد اقتحام القصر والهروب منها والاستعداد للهروب خارج البلاد استغرقت لوحدها ثلاثون صفحة من السيناريو).

2 . أنه بلا وظيفة درامية فى العمل إلى أن مات لوثر.

3 . أنه سوف يحقق التماهى بصعوبة مع المتلقى، فالأخير قد استهلك قدرًا كبيرًا من نفسه فى التماهى مع شخصية اللص سوف يكتشف، فى نصف الثانى من العمل، أنه مطالب أن يعيد استثمار نفس الجهد والطاقة فى التماهى مع شخصية جديدة كانت عبارة عن شخصية ثانوية فى عالم البطل، فهى ليست حتى شخصية حليف أو مساعد كى تصبح الشخصية الرئيسية بعد قليل.

4 . مع احتلاله مكانة الشخصية الرئيسية، خاصة بعد موت الشخصية الرئيسية الأولى فى المنتصف، سوف يكتشف المتلقى أنه أمام فيلمين وليس فيلمًا متكاملًا، الأول يدور حول لص يرغب فى الهروب من البلاد ولكنه يفشل، والثانى يدور حول محامى يحاول أن يفك لغز مقتل رجل عزيز لديه وينجح.

5 . ارتباك قوس تحوله، مع دخول شخصية جديدة فى منتصف العمل واحتلالها دور الشخصية الرئيسية سوف يرتبك قوس تحولها أو يُنسف من الأساس، هذا الارتباك سوف يحول الشخصية فى أحسن تقدير إلى أداة للحبكة وهو ما يخل برسم شخصية البطل، فخلال ساعة واحدة أو أقل على جاك أن يصبح الشخصية الرئيسية، وأن نعرف نحن نقاط ضعفه الأخلاقية والنفسية، وأن يدخل فى حبكات فرعية، وأن يتعلم شيئًا من خلال تجربته فى الحدث الدرامى ويتغير فى النهاية.

6 . المشكلة الأكبر كانت حجم المعلومات المعروفة للمتلقى، فالمتلقى يعرف كم هائل من المعلومات لأنه شاهد اللص من البداية إلى النهاية، وعلى المحامى أن يعيد اكتشاف ومعرفة كل هذه المعلومات من جديد.

وفكر جولدمان فى أن يجعل الضابط هو بطل السيناريو، ولكنه واجهته مجموعة من المشكلات.

1 . الضابط لا يعرف قدر كبير من المعلومات التى يعرفها المتلقى.

2 . استهلاك الحادثة المفجرة للأحداث بما يفقدها قوتها وإعادة تدويرها مرة أخرى، فقتل الزوجة الخائنة أمام لوثر هو حادثة مفجرة قوية، ولكن إعادة تدويرها مرة أخرى أمام الضابط يفقدها قوتها.

3 . سوف تقف الشخصية الرئيسية لفترة طويلة من دون فعل درامى.

4 . لن تتسبب هذه الشخصية فى حدوث الذروة.

وكتب جولدمان النسخة الأولى من السيناريو، وحاول أن يحافظ على البنية العامة للرواية وكثرة شخصياتها، ولم تكن المشكلة الحقيقية هى كبر السيناريو (والذى وصل إلى 145 صفحة، وهو رقم ضخم بالنسبة للسينما الأمريكية) ولكن فى أن الشخصية الوحيدة التى حازت على تماهى المتلقى وتوحده وتعاطفه هى شخصية لوثر الذى مات فى منتصف السيناريو، تاركًا المتلقى لا يشعر بالتعاطف أو التماهى مع شخصية أخرى، كان موت لوثر فجوة كبرى فى العمل.

وقرر جولدمان، فى المسودة الثانية من السيناريو، أن يجعل الضابط هو البطل (على أساس أن هذا هو الطبيعى فى هذه النوعية من الأفلام)، وواجه مجموعة مشكلات عدة، وحلها عن طريق الاستعانة بتقنيات الاقتباس السينمائى المعروفة وهى إعطاء الشخصية الرئيسية أفعال من الشخصيات الأخرى، وابتكار سمات جديدة وأحداث جديدة للشخصية الرئيسية، ولكن حتى هذه المسودة نالت استحسان متواضع من الاستوديو.

المدهش فى الأمر أن الاستوديو الذى اشترى الرواية بمبلغ تجاوز الخمسة ملايين دولار ويعرف قصتها جيدًا لم يعجبه المسودة الأولى من السيناريو رغم أنه حافظ بأمانة على سير الأحداث فى القصة، ولكن الشخصيات الرئيسية والثانوية فى الرواية (وهو أمر سنعود إليه عندما نقدم الدراسات الأدبية التى درست كثرة الشخصيات فى الرواية) جعلت شركة الإنتاج تتساءل عن وظيفة كل شخصية فى السيناريو، وكانت الوظيفة الأهم هى وظيفة التماهى، فقد تماهى المنتج مع الشخصيات الكثيرة فى الرواية ولكنه لم يتعاطف مع الشخصيات الكثيرة فى السيناريو، رغم أن بنية النص الروائى وشخصياته كانت السبب الرئيسى وراء الموافقة على تحويله إلى نص سينمائى.

وعندما عثر جولدمان على شخصية رئيسية استطاع أن يفهم وظائف بقية الشخصيات الأخرى، وبمجرد أن عثر عليها راح يستخدم تقنيات ابتكار التماهى المعروفة حتى يجعل شخصية الضابط سيث جديرة بالفوز بمكانة البطل، وعندما تدخل كلينت استوود وطلب من جولدمان أن يجعل اللص هو البطل الأوحد فى العمل، فقد عرف جولدمان بطله أكثر، وزاد وضوح وظائف الشخصيات الأخرى. هنا أصبح من السهل أن يحذف شخصيات وأن يدمج شخصيات مع شخصيات أخرى، وأن يجد بناء فيلمه.

 

إن وظائف الشخصيات، والتى سوف ندرسها بإذن الله حرفيًا ونظريًا، لأمر شديد الأهمية فى ابتكار سيناريو تماسك.

*************

1. Goldman, William, Which Lie Did I Tell? More Adventures in the Screen Trade, (Vintage Books, New York, 2001), p. 98.
2. Ibid, p. 102.
3. Ibid, p. 102.
4. Ibid, p. 107.

التماهى ـ 1

1 . “من أجل هيكوبه!”:

فى مسرحية هاملت Hamlet، يستضيف هاملت فرقة ممثلين كى يقدموا أمام الملك عرضًا مسرحيًا يجسد جريمة قتل أبيه أمام الملك الجديد حتى يتأكد هاملت من كلام الشبح، فإذا تأثر الملك بما يراه فسوف يعرف هاملت حينذاك أن كلام الشبح صحيح، وإذا شاهد الملك العرض ولم يتأثر على الإطلاق فسوف يعرف هاملت حينذاك أن كلام الشبح غير صحيح.

        هذا اليقين بقوة العرض الدرامى وتأثيره فى النفوس هو الذى قاد هاملت إلى هذه الفكرة (رغم أن الأداء الجيد والشخصية الرائعة والمؤثرات البصرية والسمعية سوف يجعل المتلقى يتماهى مع العرض المسرحى ويتأثر بحدث لم يحدث له شخصيًا، وبالتالى من الطبيعى أن يتأثر الملك بقوة العرض والمؤثرات وأداء الممثلين رغم أنه لم يرتكب جرمًا). وحرص هاملت على اختبار الممثلين قبل أن يصعدوا على خشبة المسرح لأنه يعرف أن الأداء الجيد هو أحد الأدوات الأساسية لتحقيق التماهى Identification، فالممثل الضعيف سوف يتسبب فى عدم تفاعل المتلقى مع العرض. كان هاملت يعلم علم اليقين أن التماهى مع الشخصية الدرامية، سواء كانت موجودة على المسرح أو غائبة، سوف يؤثر بقوة فى الملك للدرجة التى تدفعه إلى فضح نفسه أمام الجميع.

        وبعد رحيل الممثلين يبدأ هاملت فى التساؤل حول علاقة الممثل بشخصية وهمية لا وجود لها على أرض الواقع، وكيف يتأثر الممثل والجمهور بهذه الشخصية الوهمية؟ ويتلو هاملت هذا المونولوج الرائع.

“أى نذل أنا، أى عبد قروى!

أليس من العار علي أن هذا الممثل،

فى رواية من الخيال، فى حلم من الألم،

يُكره روحه على تلبس وهمه

فتحتدم، ويشحب منه المحيّا بأجمعه.

الدموع فى عينيه، والهياج فى قسماته،

وصوته يتكسر ويتهدج، وكل وظيفة فى جسمه

تتلبّس ذلك الوهم … وذلك كله من أجل لا شيء؟

من أجل هكيوبه!

وما لهكيوبه عنده، أو له عند هيكوبه،

فيبكى هكذا من أجلها؟”[1]

     فى بداية المونولوج يرى هاملت نفسه نذلًا لأنه لا ينتقم فورًا لأبيه، ويندهش من ضعفه وقلة حيلته وهو الفارس الذى لا يشق له غبار، ويتساءل هل هو جبان بالفعل؟ رغم أنه مستعد لقتل أى إنسان يصفه بالجبن.

     الغريب حقًا أن هاملت، بكل تناقضاته وحيرتنا إزاء تصرفاته قادر على دفعنا دفعًا للتعاطف التماهى معه، رغم أننا لا نفهم عقليته المعقدة أو سر عجزه عن الفعل، ورغم أنه يصيبنا بالإحباط إلا أننا ما زلنا نحبه حتى اليوم، ونعتبره من أعظم الشخصيات التى ظهرت على خشبة المسرح.

     وحينما نفكر فى مونولوجه السابق، سوف نكتشف أنه من الناحية المنطقية لا توجد فعليًا علاقة يبن الممثل وبين هيكوبه حتى نتأثر بما حدث لها. وإذا كانت القرابة أو المعرفة الشخصية شرط أساسى للتماهى أو التعاطف بين البشر كما يوحى هاملت، ولكننا نتعاطف، فى بعض الأحيان، مع شخصيات أدبية ومسرحية وسينمائية أكثر من تعاطفنا مع بعضنا. ونحن نغضب لغضب هذه الشخصيات ونفرح لفرحهم، ونعتبر هزيمتهم هزيمة شخصية لنا.

     وقد تتخذ هذه الشخصيات أفعالًا صبيانية مثل غضب أخيل والذى دفعه لأن يتخلى عن قيادة الجيش أو لا تتخذ أفعالًا من أساسه مثل أحمد عاكف فى خان الخليلى أو تتصف فعليًا بالجبن أو السلبية أو الجنون أو تقتل ملكها وتسرق عرشه كما فعل ماكبث إلا أننا نتماهى معها، الغريب أننا لا نتعاطف ولا نتماهى مع شخصيات نموذجية تفعل دومًا الفعل الصحيح.

     فما سر التماهى مع شخصيات لا وجود لها على أرض الواقع؟ كيف نتماهى مع شخصيات وهمية لا تتكون فى بعض الأحيان إلا من كلمات أو موجات ضوئية على شاشة السينما؟ ولماذا نتماهى أصلًا؟

2 . التماهى فى كتب الحرفية:

لا يخلو كتاب من كتب حرفية الكتابة السينمائية أو الأدبية إلا وليشير لمسألة التماهى أو التوحد مع الشخصية أو الشخصيات الرئيسية سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتفرد بعض الكتب فصلًا أو مبحثًا من مباحثها أو فصولًا كاملة لهذه المسألة، وقد يخصص البعض الكتاب كله لفحص مسألة التماهى مع الشخصية من كافة جوانبها.

        ولا تقف كتب الحرفية عند هذا الحد، بل تميز بين التماهى والتوحد مع الشخصية أو فهم دوافعها وأفعالها والشفقة عليها فى بعض الأحيان من بعيد.

       وتقدم كتب الحرفية بعض التقنيات التى تمكن الكاتب من أن يجعل المتلقى يندمج أو يتفاعل أو يتماهى مع الشخصية الرئيسية. وتنفى كل كتب الحرفية أن الهدف من هذا هو خلق شخصية لطيفة، دمثة الخلق، معصومة من الخطأ، أو نموذجية، فالمتلقى يتعاطف ويتماهى بسهولة مع الأبطال الضد Anti-Hero والشخصيات السلبية Passive Characters أو الشخصيات الإجرامية والسيكوباتية والشخصيات الشريرة إذا أجاد كاتب السيناريو رسم هذه الشخصيات، واستخدم التقنيات الصحيحة عند ابتكاره الشخصية الرئيسية، والتى سوف تجذب المتلقى إليها رغم كل عيوبها الأخلاقية والنفسية وجرائمها فى بعض الأحيان.

        وتحرص كتب الحرفية، الروائية والسينمائية، على التأكيد على أهمية التماهى، فبدونه لن يهتم المتلقى بمتابعة القصة أو الفيلم مهما كانت مؤثراته البصرية مبهرة أو تكاليف إنتاجه باهظة أو شهرة نجومه وجاذبيتهم، بل أن احتواء القصة على قدر هائل من الإثارة الجنسية والبوليسية والمطاردات لن يكون السبب فى نجاحها إذا عجزت عن ابتكار شخصيات يتماهى المتلقى معها. وقد فشلت العديد من الروايات والأفلام فى تحقيق الإيرادات المتوقعة بسبب عدم قدرتها على ابتكار شخصيات قابلة للتماهى أو التعاطف أو الفهم.

        إن التماهى مع الشخصيات الرئيسية هو ما يجذب المتلقى بالدرجة الأولى لمتابعة العمل. وتصر معظم كتب الحرفية أن المتلقى قد جاء بنفسه إلى دار العرض السينمائى كى يعيش تجربة انفعالية Emotional Experience. وهذه التجربة لن تحدث أصلًا إذا كانت الشخصيات كريهة أو منفرة أو لا يهتم المتلقى بمصيرها من أساسه. ويؤكد وليم سى مارتل William C. Martell فى كل كتاباته إن المتلقى لم يأت لمشاهدة مطاردة رائعة سينمائيًا، وأنه لا يهتم حقًا بالسيارة وأحدث التجهيزات فيها، بل أتى لأنه يبالى بمصير الشخصية التى تقود هذه السيارة. والارتباط بالشخصيات الرئيسية والاهتمام لمتابعتها ومعرفة مصيرها والفرحة عند انتصارها والحزن عند انكسارها يعتبر هو العنصر المهم أو الأكثر أهمية للمتلقى.

        وقد جاء اسم أشهر سلسلة كتب حرفية سيناريو حاليًا، وهى سلسلة كتب إنقاذ القطة Save the Cat، والتى كتبها الراحل بليك سنيدر Blake Snyder، من ملاحظته أن الأفلام القديمة كانت تحتوى على مشهد ينقذ فيه البطل قطة، وهو ما يكسبه تعاطف المتلقى. حينذاك سوف يتابع المتلقى هذه الشخصية حتى النهاية. ويقولها سنيدر صراحة فى كتابه الأول: “إن حبنا للشخصية الذى نقوم معه بالرحلة هو أكثر العناصر أهمية فى جذبنا وانغماسنا فى القصة نفسها.”[2]

        ولا تنبع الرغبة فى متابعة هذه الرحلة والانغماس فيها لمجرد أن الشخصية فعلت فعلًا خيرًا، ولكن لأنها اتخذت، فى لحظة معينة، قرارًا أخلاقيًا قد يخالف المنطق أو السياق الذى قد يدفعها لأن تفعل عكسه، وكلما ازاد تحدى الشخصية للسياق ولمنطق المنفعة الشخصية ازداد تماهى المتلقى معها، ولم يكن سنيدر يقصد بالتأكيد أن على البطل أن ينقذ قطًا أو يساعد سيدة عجوز على عبور الطريق كما يقول دوايت سوين فى كتابه كتابة السيناريو للسينما، بل كان يقصد أن تتخذ الشخصية فعلًا، قد يكون بسيطًا، ولكنه ينال إعجاب المتلقى لما يحمله من معانى سامية.

        ويضرب سنيدر مثلًا بالمحقق فرانك كيللر Frank Keller، بطل فيلم بحر الحب Sea of Love، الذى يحذر أب سبق أن قبض عليه فى قضية قديمة من فخ أعده كى يقبض على المجرمين، وقد فعل فرانك هذا لأن الأب أحضر معه أبنه، ولم يرغب المحقق أن يحرم طفل صغير من أباه[3]. وفى الجزء الأول من سلسلة أفلام الكائن الفضائى Alien تنقذ ريبلى قطة من المركبة الفضائية قبل أن تدمرها تمامًا.

 

        فى الشرح الذى قدمه سنيدر يبين أن حبنا للشخصية قد نبع من أربع عناصر:

الأول: هو الفكرة المبهرة التى طرحها فرانك للقبض على المجرمين أو توصلت إليها ريبلى فى النهاية.

ثانيًا: رفض فرانك أن يرى طفل صغير أباه وهو يُقبض عليه للمرة الثانية، ورفض ريبلى أن تترك روحًا على المركبة من دون أن تنقذها.

ثالثًا: تمتع الشخصية الرئيسية بخفة ظل.

رابعًا: الذهاب إلى أقصى مدى.

        وسوف نلاحظ أن هذه العناصر أصبحت تقنيات تُستخدم فى بعض كتب الحرفية لإنشاء علاقة تماهى بين المتلقى والشخصية الرئيسية.

        هذه الأفعال تجعل الشخصيات استثنائية لدى المتلقى. ففرانك كيللر أعلى من القيم الإنسانية على قيم المهنية، وريبلى خاطرت بحياتها من أجل أن تنقذ قطة.

        وقد تبدى الشخصيات سمات أخرى تجعل المتلقى يندمج معها ويقرر بكامل إرادته أن يكمل الرحلة معها حتى النهاية، ورغم أنها قد تكون جافة أو غليظة الطباع أو حتى شرسة مع تعاملها مع الآخرين أو مصابة بالجنون، ولكن المتلقى عندما يجد سمات أو تقنيات معينة فى رسم الشخصية سوف يتماهى مع الشخصية الرئيسية.

        وقد قدمت كتب الحرفية المختلفة مجموعة من التقنيات والرؤى الخاصة بمسألة التعاطف والتماهى مع الشخصيات الدرامية والروائية، واختلف البعض فى حول هذه التقنيات واختار بعض تقنيات مختلفة تمامًا؛ فهناك من يرى أن الشخصيات لابد أن تمتلك سمات محددة كى تصبح جديرة بتماهى المتلقى معها، وهناك من تحدث عن وجود آليات نفسية وعقلية لدى المتلقى تجعله يتماهى مع الشخصيات، وهناك من رأى أن المسألة كلها تتعلق بالأفكار والقيم التى تقدمها الشخصية الرئيسية، وهناك من أكد أن الكاريزما التى يجب أن تتمتع بها الشخصية الرئيسية قادرة على تحقيق هذا التماهى. وطرح البعض مسألة الأنماط العليا التى تجعل الشخصية الرئيسية تندمج وفق أنماط عليا موجودة فى اللاوعى الجمعى لدى المتلقى. وأصر البعض على ضرورة فهم دوافع الشخصية لفهم سر تماهى بها.

        وعندما تحدث كتاب السيناريو المحترفين، ومن ضمنهم وليم جولدمان William Goldman، عن مسألة التماهى فقد اشاروا بوضوح إلى أن النجم وتاريخه الفنى يشكل عنصرًا هامًا فى مسألة التماهى، ولا يجب أن يتجاهل كاتب السيناريو هذا العنصر أبدًا.

3 . التماهى والمباحث العلمية والفلسفية:

رغم أن التعاطف أو التماهى مع الشخصية الرئيسية أو شخصيات العمل الدرامى والروائى بدأ كشأن حرفى بالدرجة الأولى إلا أنه تحول مع الوقت إلى موضوع علمى وفلسفى وأكاديمى خُصصت له كتبًا كاملة. وجمعت هذه الكتب بين عدة تخصصات مثل علم النفس سواء التحليل النفسى الفرويدى (واللاكانى فيما بعد) وعلم النفس التحليلى اليونجى وعلم نفس المعرفى، وقد تناولت الدراسات الإعلامية والسينمائية هذه المسألة من منظور البحث عن التقنيات المستخدمة فى ابتكار التماهى وسر انجذاب المتلقين إلى الشخصيات والممثلين وتأثرهم بهم وتقليدهم والأثر النفسى للتماهى مع الشخصيات السينمائية. وقد درست الفلسفة الأمر تحت عنوان مفارقة التخييل Paradox of Fiction وطرحت مسألة التعاطف مع شخصيات لا وجود لها على أرض الواقع للنقاش كى تشرح لنا سر البكاء من أجل هيكوبه.

***********

[1] ـ وليم شكبير، المآسى الكبرى، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية، 2000)، ص: 100 ـ 101.

[2] – Snyder, Blake, Save the Cat! The Last Book on Screenwriting You’ll Ever Need, (Michael Wiese Productions, Studio City, 2005, ) p. xv.

[3] – Ibid.